سمسم جازان: احتفال بالتراث الزراعي وثراء الأرض
يُعدّ القطاع الزراعي في جازان موردًا اقتصاديًا واجتماعيًا بالغ الأهمية لسكانها. ويعود ذلك إلى ما تتمتع به من خصائص طبيعية فريدة، كالتربة الخصبة، والمناخ الملائم، ووفرة المياه الجوفية، وهطول الأمطار الموسمية. تُمكّن هذه المزايا المزارعين من زراعة العديد من المحاصيل بكفاءة وفعالية من حيث التكلفة، من خلال المزج بين الزراعة التقليدية والتقنيات الحديثة.
يُعدّ السمسم، المعروف محليًا باسم "جلجلان"، محصولًا هامًا في جازان، يرمز إلى التراث الزراعي الغني للمنطقة. وقد شكّلت زراعة السمسم جزءًا لا يتجزأ من حياة مزارعي جازان لأجيال. ينمو هذا النبات في أرض خصبة، مستفيدًا من دفء الشمس وغلته الوفيرة.

تبدأ عملية زراعة السمسم ببذور صغيرة تُزرع تقليديًا باستخدام محراث. يضمن هذا نموًا مثاليًا لمدة تتراوح بين 90 و120 يومًا. يصل ارتفاع النبات إلى حوالي متر واحد، ويتميز بأوراق بيضاوية خضراء مائلة للأرجواني وأزهار بيضاء جرسية الشكل. مع اقتراب موسم الحصاد، يتغير لون كبسولات البذور من الأخضر إلى البني أو الأبيض.
يتطلب حصاد السمسم جهدًا مجتمعيًا مفعمًا بالبهجة والعمل الجماعي. بعد صلاة الظهر، يجتمع الأهالي في الحقول لبدء عملية "النفل". يفصلون الحزم، ويضربونها بالعصي أو باليد، وينظفون البذور، ويضعونها في أكياس محكمة الغلق.
تنتج جازان أكثر من 6,422,000 كيلوغرام من السمسم سنويًا، مما يُبرز أهميتها الاقتصادية والثقافية. يشتهر سمسم المنطقة بنقائه وغنى محتواه من الزيت. يُستخرج زيت "السليت" الشهير من هذه البذور لأغراض الطهي والعلاج.
تقليديًا، كان استخراج الزيت يتم باستخدام معاصر مصنوعة من جذوع أشجار ضخمة على شكل أوعية مخروطية تُسمى "العود". كانت توضع البذور في هذه المكابس مع إضافة الماء. كان الجمل يدير "قطبًا" (نوع من المعاول) بحركات دائرية لساعات حتى يُصفى الزيت.
التحديث والفوائد الصحية
في الآونة الأخيرة، طُرِحَت آلات حديثة لتلبية احتياجات السوق بكفاءة أكبر. تُقدَّر بذور السمسم لفوائدها الصحية؛ ويُعتقد أن الأنواع الداكنة منها تُساعد في علاج مشاكل الكبد والدوار، وتُعزِّز إنتاج الحليب لدى الأمهات المرضعات.
يُحسّن زيت السمسم صحة البشرة، ويُساعد على الهضم، ويُقوّي البصر، ويُعزّز نموّ الشعر الصحي. ويُستخدم في الأطباق التقليدية مثل "مقشون السمك" (يخنة السمك)، ومختلف أنواع اليخنات، والسلطات، والحلويات، وفي بعض الصناعات التحويلية المحلية، نظرًا لنكهته الغنية وقيمته الغذائية.
في جازان، لا يقتصر السمسم على كونه منتجًا زراعيًا فحسب، بل يروي في كل موسم قصةً من خلال تجارب المزارعين على هذه الأرض الخصبة. يُقدّم عطرًا عالميًا ممزوجًا بذكريات الأجداد المتوارثة جيلًا بعد جيل، كـ"ذهب جازان الأبيض".
With inputs from SPA