التوازن الديموغرافي في القمة العالمية للحكومات 2026: مسؤولون يحثون على اتخاذ إجراءات سياسية أسرع
ناقش مسؤولون وباحثون عالميون في القمة العالمية للحكومات 2026 كيف تُعيد التحولات الديموغرافية تشكيل الاقتصادات والمجتمعات والحياة الأسرية في جميع أنحاء العالم. وحذّر المتحدثون من أن انخفاض معدلات الخصوبة، وشيخوخة السكان، وتغير أولويات الحياة تتداخل فيما بينها، وأكدوا على ضرورة أن تتكيف السياسات الحكومية بسرعة لدعم نمو الأسر مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.
أكد الخبراء، خلال عدة جلسات، أن العديد من الشباب ما زالوا يأملون في إنجاب أطفال، لكنهم يؤجلون أو يتجنبون تكوين أسرة بسبب ضغوط العمل، وتكاليف المعيشة، وصعوبة إيجاد شريك حياة. كما شدد المشاركون على أن سياسات الهجرة، وأنظمة التعليم، والقيم الثقافية تتفاعل الآن بشكل مباشر مع التوجهات الديموغرافية، لا سيما في أوروبا واليابان وأفريقيا والشرق الأوسط.

تناولت إحدى الجلسات، بعنوان "هل صُممت الأنظمة الحكومية لدعم الأسرة؟"، كيف يمكن للسياسات العامة أن تجعل الحياة الأسرية أكثر سهولة دون تقييد الخيارات الشخصية. وناقشت سعادة تاتيانا ماكورا، والدكتور ليمان ستون، وسعادة سناء بنت محمد سهيل، تدابير عملية مثل دعم رعاية الأطفال، والعمل المرن، والحوافز الاقتصادية، والتغيير الثقافي الأوسع نطاقاً، وذلك لمواءمة الأنظمة الحكومية مع احتياجات الأسرة المتغيرة.
عرضت سعادة تاتيانا ماكورة مزيج السياسات الصربية، الذي يجمع بين الأدوات الاجتماعية والاقتصادية لتعزيز الأسر. وتشمل هذه التدابير دعم رعاية الأطفال، ومرونة في ترتيبات العمل، ودعمًا ماليًا مباشرًا للأسر والأمهات. كما تعمل صربيا على توسيع نطاق التمويل الحكومي لتقنيات الإنجاب المساعدة، سعيًا منها لإزالة العوائق المالية أمام الأزواج الذين يحتاجون إلى مساعدة طبية لإنجاب الأطفال.
أوضح ماكورا أن صربيا أطلقت أيضاً مبادرة توعية وطنية حول تكوين الأسرة في سن مبكرة. تهدف الحملة إلى تثقيف الشباب، لا الضغط عليهم، من خلال تقديم معلومات موثقة علمياً حول الخصوبة، والتخطيط للحياة، والرفاهية على المدى الطويل. وترغب السلطات في أن يوازن الشباب بين خياراتهم الأسرية بناءً على معرفة واضحة، بدلاً من التأثر بالتوقعات الاجتماعية أو الافتراضات غير المكتملة.
في نقاش آخر بعنوان "هل تستطيع السياسات الحكومية مواكبة التحولات الديموغرافية؟"، قام نيكولاس ريدمان وبول مورلاند وكارول آن هيلتون بتحليل كيفية تأثير التغير الديموغرافي على موازين القوى العالمية. وأشاروا إلى أن المجتمعات الأوروبية واليابانية تواجه انخفاضًا في معدلات الخصوبة وشيخوخة السكان، بينما تستمر أفريقيا في تسجيل معدلات مواليد مرتفعة، مما يخلق مسارات سكانية متباينة بين المناطق.
حذّر نيكولاس ريدمان من أن انخفاض عدد السكان قد يُضعف البنى الاقتصادية الأساسية للاقتصادات المتقدمة. وأوضح أن الدول التي تشهد شيخوخة سكانية تواجه ثلاث مشكلات مترابطة: قلة عدد العاملين، وارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية، وتقلص القاعدة الضريبية. وأضاف ريدمان أن هذه العوامل مجتمعة تُقلل الدخل القومي وتُضغط على المالية العامة، مما يُشكّل تحديًا لنماذج النمو طويلة الأجل.
جادل عالم الديموغرافيا بول مورلاند بأن التراجع الديموغرافي يجب التعامل معه كتهديد استراتيجي للبشرية وليس مجرد انكماش اقتصادي مؤقت. وأكد مورلاند أن الاستجابات الفعّالة تبدأ من المدارس والتوعية المجتمعية. وذكر أن على الحكومات أن تتحمل مسؤولية إعادة تشكيل فهم الجمهور للتوازن الديموغرافي وأهميته للاستقرار الاجتماعي ودعم الأجيال.
دعت كارول آن هيلتون إلى مراجعة شاملة لكيفية تعريف النمو الاقتصادي في النقاشات السياسية. واقترحت هيلتون أن ترتبط مقاييس التقدم ارتباطًا مباشرًا بكرامة الإنسان والأصالة الثقافية، لا مجرد مؤشرات الإنتاج. وسلطت الضوء على النهج الإماراتي كمثال يجمع بين التنمية الحديثة والتقاليد الراسخة، مما يسمح بتوجيه الموارد نحو مستقبل يتمحور حول كرامة الإنسان وتطلعاته.
استراتيجيات الإمارات للأسر في ظل التحولات الديموغرافية
أوضحت سعادة سناء بنت محمد سهيل أن دولة الإمارات العربية المتحدة تتعامل مع نمو الأسرة كقضية وطنية شاملة، لا كقضية تخص قطاعاً واحداً. ووفقاً لسعادة سناء بنت محمد سهيل، فإن قيادة الدولة تضع الأسرة في صميم أولوياتها الوطنية. ويربط العمل السياسي بين التشريعات والرؤى السلوكية والخدمات العامة والروايات الاجتماعية التي تُشكّل مفهوم النجاح.
أشارت وزيرة شؤون الأسرة إلى أن الدراسات المحلية كشفت عن فجوة بين تطلعات الشباب وخياراتهم الواقعية. فالعديد من الشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة يعربون عن رغبتهم في تكوين أسر، لكنهم يركزون بشدة على التقدم الوظيفي وتحقيق الإنجازات في بداية حياتهم. وأوضحت أن هذا التباين يؤثر على توقيت الزواج والإنجاب، ويتطلب استجابات منسقة بين مختلف القطاعات.
أكدت سناء بنت محمد سهيل أن دولة الإمارات العربية المتحدة تعتبر شبابها، وخاصةً من تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً، أولويةً رئيسيةً للعقد المقبل. ولذلك، تستهدف البرامج هذه الفئة بتقديم الدعم الصحي والاجتماعي والاقتصادي، مع التركيز أيضاً على تغيير المفاهيم السائدة. والهدف هو تهيئة بيئةٍ تتوافق فيها عملية تكوين الأسرة مع الطموحات التعليمية والمشاركة في سوق العمل.
منظورات طويلة الأجل حول التحولات الديموغرافية
خلال جلسة منفصلة بعنوان "اتجاهات مستقبل البشرية"، تناول البروفيسور إيان غولدين كيفية تفاعل التغيرات الديموغرافية مع القوى العالمية الأخرى. وبصفته أستاذاً للعولمة والتنمية في كلية مارتن بجامعة أكسفورد، وصف البروفيسور غولدين التحولات الديموغرافية بأنها عوامل بطيئة الحركة ولكنها بالغة التأثير، تُعيد تشكيل أسواق العمل والعقود الاجتماعية والعلاقات الجيوسياسية على مدى عقود.
جادل البروفيسور إيان غولدين بأن العالم يدخل مرحلة تتطلب إعادة النظر في المسلّمات في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن. ولاحظ أن مركز الثقل الاقتصادي العالمي ينتقل بسرعة نحو آسيا. وفي الوقت نفسه، قال البروفيسور إيان غولدين إن سياسات الهجرة ستكون حاسمة بالنسبة للاقتصادات المتقدمة التي تسعى إلى الحفاظ على الابتكار والإنتاجية والتوازن الديموغرافي.
حذّر البروفيسور إيان غولدين من أن القيود الصارمة المفروضة على المهاجرين والكفاءات الماهرة قد تُضعف الاقتصادات المتقدمة. وحذر من أن هذه القيود تُهدد بخفض مستويات الابتكار وإبطاء النمو الاقتصادي. في المقابل، يمكن لتدفقات الهجرة المُدارة بشكل جيد أن تدعم المجتمعات المُسنة، وتُكمّل القوى العاملة المحلية، وتُوفر مرونة ديموغرافية عندما تبقى معدلات المواليد المحلية دون مستويات الإحلال.
في معرض حديثه عن المخاوف المتعلقة بانخفاض عدد السكان وتكوين الأسر، أشار الدكتور ليمان ستون إلى نتائج استطلاعات رأي أجريت في الدول الصناعية. وأوضح أن معظم الشباب ما زالوا يرغبون في تكوين أسر، لكنهم يواجهون عقبات عملية، منها تضارب أولويات الحياة وصعوبة البحث عن شريك حياة. وشدد الدكتور ستون على أن المهمة الأساسية لصناع السياسات هي إزالة هذه العقبات دون التدخل في مسارات الحياة الشخصية.
أكد الدكتور ليمان ستون على ضرورة أن تحترم سياسات الأسرة الاستقلالية والمساواة بين الجنسين. وأشار إلى أنه لا يجوز للحكومات أن تسعى إلى "هندسة" القرارات الشخصية. وبدلاً من ذلك، جادل الدكتور ليمان ستون بأن على الدول أن تُهيئ بيئة اجتماعية واقتصادية وثقافية تجعل الحديث عن تكوين أسرة أمرًا طبيعيًا ومدعومًا، مع ضمان الحماية الكاملة لتمكين المرأة ومشاركتها في سوق العمل وحقوقها.
خلال مناقشات قمة الحكومات العالمية 2026، برزت رسالة مشتركة مفادها أن التحولات الديموغرافية بطيئة لكنها حاسمة، وأن الحكومات بحاجة إلى استجابات متكاملة. وقد وصف المتحدثون خيارات سياسية تجمع بين التخطيط الاقتصادي والتعليم وإدارة الهجرة ودعم الأسر. وبالنسبة لدول مثل الإمارات العربية المتحدة، تُسهم هذه المناقشات في توجيه الجهود المستمرة لحماية الاستقرار الاجتماعي، ودعم خيارات الشباب، ومواءمة التوجهات الديموغرافية مع الأهداف الوطنية طويلة الأجل.
With inputs from WAM