معرض إكسبوجر 2026: مليحة الشارقة واليونان القديمة تتشاركان روابط تجارية وثقافية تعود إلى العصر البرونزي
تكشف الأبحاث الأثرية عن تاريخ مشترك بين الشارقة واليونان، يعود إلى ما قبل نشأة الدول الحديثة بزمن طويل. وأوضح سعادة عيسى يوسف، مدير عام هيئة آثار الشارقة، أن الأدلة تربط المنطقتين جغرافياً وتجارياً وتكنولوجياً وثقافياً. وتمتد هذه الروابط من العصر البرونزي إلى العصر الهلنستي، مما يُبرز التبادل المنتظم عبر شرق البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي.
جرت المناقشة خلال جلسة حوارية بعنوان "العلاقات الثقافية مع اليونان من خلال الاكتشافات الأثرية في الشارقة"، ضمن فعاليات مهرجان إكسبوجر الدولي للتصوير الفوتوغرافي. افتُتح المهرجان في الجادة بالشارقة ويستمر حتى 4 فبراير تحت شعار "عقد من السرد البصري". وتشارك أثينا كضيف شرف في "منصة الحضارة"، التي استضافت الجلسة التي شارك فيها عيسى يوسف.

ذكر عيسى يوسف أن العصر الهلنستي مثّل مرحلة جديدة في التفاعل بين الشرق والغرب. بدأ هذا العصر بحملات الإسكندر الأكبر، الذي اجتاحت جيوشه سوريا وبلاد الشام والعراق وبلاد فارس، ووصلت إلى الهند. ومع تقدم جيوش الإسكندر، اندمجت التقاليد اليونانية والشرقية، وأدى هذا التفاعل إلى ظهور الثقافة الهلنستية الأوسع نطاقًا المعروفة من المصادر المكتوبة والمادية.
تبدو مليحة في الشارقة ذات أهمية مركزية ضمن هذا النظام الاقتصادي الهلنستي الأوسع، حتى بدون سيطرة سياسية مباشرة. ووفقًا لعيسى يوسف، يُرجّح أن مليحة كانت بمثابة عاصمة محتملة لمملكة عُمان القديمة في العصور ما قبل المسيحية. كما كانت ذات أهمية بالغة للمملكة السلوقية، التي أسسها سلوقس الأول بعد وفاة الإسكندر الأكبر، وشاركت في أنظمة التبادل التي ربطت الخليج العربي بالأراضي اليونانية.
على الرغم من أن القوى الهلنستية لم تحكم المنطقة بشكل مباشر، فقد أشار عيسى يوسف إلى وضوح التكامل الاقتصادي. إذ نقل الوسطاء التجاريون البضائع والأفكار عبر طرق تجارية راسخة بين الشرق والغرب. وقارن علماء الآثار الاكتشافات في مليحة بالقطع الأثرية الموجودة في المتحف الأثري الوطني في أثينا. وقد أبرزت هذه المقارنة أوجه التشابه في القطع والأنماط، مما يدل على أن المجتمعات المحلية كانت شريكًا فاعلًا في التجارة الإقليمية والتبادل الثقافي.
يمتد استمرار التواصل إلى العصر البرونزي، الذي يعود تاريخه إلى ما بين 3000 و1300 قبل الميلاد، ويستمر حتى عام 323 قبل الميلاد، مع بداية العصر الهلنستي. وأوضح عيسى يوسف أن الاكتشافات الأثرية تُظهر استخدامًا مشتركًا للمعادن في صناعة الأدوات والأسلحة، فضلًا عن ممارسات تجارية مماثلة. وتؤكد هذه الروابط على مكانة الشارقة واليونان في مواقع استراتيجية ذات أهمية ثقافية معترف بها ضمن شبكات إقليمية أوسع.
تُساعد المصادر المكتوبة الرئيسية الباحثين على تفسير هذا السجل الأثري. وأكد عيسى يوسف أن كتاب صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بعنوان "تاريخ عُمان من الاستيطان البشري إلى نهاية الدولة الإباضية"، يُستخدم كمرجع أساسي للنقوش والمكتشفات. ويوثق هذا الكتاب العديد من الاكتشافات ويدعم تحديد تواريخها وسياقها التاريخي.
من أبرز الدلائل المباشرة على التبادل الثقافي بين المنطقة واليونان العملات المعدنية التي تعود إلى عهد سلوقس الأول، والتي عُثر عليها في مليخا. يتناول كتاب صاحب السمو هذه العملات، إلى جانب قطع الفخار المستوردة. تشمل المكتشفات جرة أمفورا تُشير إلى وجود صلات مع أثينا، وتُقدم دليلاً قاطعاً على التبادل التجاري مع جزيرة رودس. يعود تاريخ هذه الجرة ذات الطلاء الأسود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وهي أقدم جرة مزججة تم العثور عليها.
أوضح عيسى يوسف أن جرار رودس هذه تحمل نقوشًا يونانية تُسمّي وتُختم أسماء من وُصفوا بـ"الحرفيين المهرة" أو "المسؤولين البلديين الذين تولّوا صناعة الجرار". وقد صادقت السلطات في رودس على وزن الجرار وحجمها، وطُبعت أسماء الحرفيين، مثل "أنثيماخوس" و"شيرون"، على مقابضها. وقد حدّد علماء الآثار 51 مقبضًا للجرار في مليحة، وهو عدد يفوق أي موقع آخر في شبه الجزيرة العربية.
تظهر الأسماء المنقوشة على المقابض في الوثائق الأرشيفية اليونانية، وتُحدد فترات نشاط "القائد". تُمكّن هذه المعلومات المتخصصين من تحديد تاريخ القطع بدقة وربطها بمواقع محددة. تتطابق جرار مليها مع القطع المسجلة في سجلات المدن اليونانية ومجموعات المتاحف. كما عُثر على جرار مماثلة في مدافن في اليونان، وفي مقابر في مليها، مما يُشير إلى ممارسات جنائزية مشتركة.
تُعزز السمات المعمارية الصلة بين المنطقة والمناطق المتأثرة بالحضارة اليونانية. فالحصون القديمة في مليحة تُشبه قصر الحلابات وقصر بشارة في بلاد الشام، وكلاهما كان تحت السيطرة اليونانية المباشرة في القرن الثالث قبل الميلاد. وتحتوي المقابر داخل هذه الحصون على بعض أقدم الزخارف المعروفة، والتي تسبق المباني في مدائن صالح والبتراء. وقد كشفت الحفريات هناك عن 54 سيفًا حديديًا، تُطابق نماذج معروضة في المتاحف اليونانية.
معظم السيوف طويلة، إذ يتجاوز طول بعضها 90 سنتيمتراً، وتنتهي مقابض العديد منها بأشكال فرس البحر أو رأس حصان. بالنسبة للباحثين في الإمارات العربية المتحدة وخارجها، تُقدّم هذه الأسلحة والعملات والنقوش والأشكال المعمارية المشتركة أدلةً دامغة على وجود روابط عميقة. ويُشير السجل المادي إلى أن الشارقة واليونان حافظتا على علاقات ثقافية وتجارية متينة على مدى قرون عديدة.
With inputs from WAM