أكد زعيم الاتحاد العربي أن التشريعات الرقمية هي مفتاح السيادة الاقتصادية.
تُحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات الناشئة تغييرات متسارعة في الأنظمة الاقتصادية العالمية، مما يستدعي استجابة عربية في مجالي القانون والسياسة. وقد صرّح معالي الدكتور علي محمد الخوري أمام لجنة الشؤون المالية والاقتصادية في البرلمان العربي بأن الجاهزية التشريعية باتت تُحدد ما إذا كانت الدول ستحقق الاستقرار، وتدعم النمو، وتحمي سيادتها الرقمية في القطاعات الاستراتيجية الرئيسية.
تحدث الدكتور علي محمد الخوري، مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، خلال مشاركة الاتحاد في اجتماعات اللجان التي حضرها معالي محمد أحمد اليماحي، رئيس البرلمان العربي. وأوضح الخوري أن البرلمانات في جميع أنحاء العالم تعاني من فجوة متزايدة بين سرعة الابتكار التكنولوجي وبطء إجراءات التشريع.

أوضح الخوري أن التشريعات غالباً ما تُصاغ بحذر، في حين أن الخوارزميات والأنظمة الذكية تُعيد تشكيل نماذج الإنتاج وصنع القرار والتنمية. وأكد أن المؤسسات البرلمانية بحاجة إلى أساليب أكثر مرونة واستباقية حتى تتمكن الأطر القانونية من مواكبة التغير التكنولوجي بدلاً من التخلف عنه، لا سيما في المجالات التي تؤثر فيها أدوات الذكاء الاصطناعي على الحياة اليومية والاقتصادات الوطنية.
استعرض الخوري عدة ركائز تشريعية أساسية تدعم التحول الرقمي العالمي، واضعاً تنظيم الذكاء الاصطناعي على رأس جدول الأعمال. وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب "ميثاقاً رقمياً عربياً" يوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المجتمعات، ويضع أطراً واضحة للشفافية والمساءلة والحفاظ على الحقيقة في البيئات الرقمية.
فيما يتعلق بحماية البيانات، قال الدكتور الخوري إن البيانات أصبحت الركيزة الاستراتيجية الأساسية في القرن الحادي والعشرين، وتشكل عنصراً جوهرياً في السيادة الرقمية. وحذر من أن غياب قواعد موحدة لحماية الخصوصية في الدول العربية قد يعرض اقتصادات المنطقة لنماذج قانونية خارجية تتجاهل الخصائص المحلية، وقد يُضعف الرقابة الوطنية على تدفق المعلومات.
وبالانتقال إلى الأمن السيبراني، وصفه الخوري بأنه جزء أساسي من الأمن القومي الحديث. وأشار إلى أن الأنظمة الرقمية المترابطة قد تسمح لعطل فني محدود بتعطيل الأسواق المالية وسلاسل التوريد والبنية التحتية الحيوية. وقال إن قطاع الخدمات يسجل بالفعل خسائر تتجاوز تلك الناجمة عن الكوارث الطبيعية الكبرى، مما يدعم الدعوات إلى سن قوانين عربية ملزمة لتعزيز قدرة القطاعات الحيوية على الصمود.
المنصات الرقمية، والمعلومات المضللة، وحوكمة الاقتصاد الرقمي العربي
قال الخوري إن المنصات الرقمية الكبرى باتت تمتلك قوة اقتصادية ومعلوماتية عابرة للحدود تتجاوز حدود الدول التقليدية. ودعا إلى وضع نموذج تنظيمي عربي شامل للتصدي لأي ممارسات احتكارية محتملة، وضمان المنافسة العادلة، وحماية السيادة الرقمية الوطنية من هيمنة المنصات التي تعمل وفق قواعد أجنبية أو مجزأة.
كما تطرق إلى المخاطر المتزايدة الناجمة عن التضليل الرقمي وحروب المحتوى. ووفقًا للخوري، فقد تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة رئيسية للصراع، وبناء الروايات، والتأثير على الرأي العام. وأكد أن هذا الوضع يستدعي سن قوانين واضحة تحدد المسؤولية القانونية للمنصات، مع المساهمة في الحفاظ على الأمن الاجتماعي في المجتمعات العربية.
العمل، والهوية، والحكومة الإلكترونية، والاقتصاد الرقمي العربي
وفي معرض حديثه عن سوق العمل، سلّط الخوري الضوء على التغيرات العميقة التي أحدثها اقتصاد المنصات والأتمتة. وحثّ على تصميم إطار تشريعي عربي حديث يحمي حقوق العمال في الاقتصاد الرقمي ويخفف من الآثار الاجتماعية الناجمة عن التحولات التكنولوجية. وربط ذلك بضرورة وجود هياكل قانونية متطورة لأنظمة الهوية الرقمية وخدمات الحكومة الإلكترونية.
اعتبر الخوري الهوية الرقمية والخدمات الحكومية الإلكترونية المتكاملة من ركائز الحوكمة المعاصرة. وأوضح أن الأطر المتينة في هذين المجالين من شأنها تعزيز الثقة بين الأفراد والمؤسسات والحكومات، مع تحسين الوصول إلى الخدمات العامة. وأضاف أن القواعد الواضحة ضرورية لحماية الهويات، والحفاظ على الخصوصية، وضمان معاملات إلكترونية آمنة وموثوقة عبر الحدود والقطاعات.
{TABLE_1}وفيما يتعلق بالتجارة الرقمية والتكنولوجيا المالية، قال الخوري إن الدول العربية تملك فرصة لبناء أسواق رقمية إقليمية مستقلة قادرة على المنافسة عالمياً إذا ما نسقت سياساتها التنظيمية. وأكد أن الأطر المناسبة تساعد في الحفاظ على السيادة النقدية والحد من تسرب رؤوس الأموال عبر المنصات التي لا تخضع للرقابة التنظيمية أو أنظمة الضرائب الوطنية.
كما أثار الخوري مسألة التكلفة البيئية للتحول الرقمي، مشيراً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة والمياه المرتبط بالبنية التحتية الرقمية، وتزايد تراكم النفايات الإلكترونية. ودعا إلى مواءمة التشريعات الرقمية مع أهداف الاستدامة البيئية ومع توجهات السياسات الدولية المتعلقة بالكربون، حتى لا يؤدي النمو الرقمي إلى زيادة الضغوط البيئية طويلة الأجل على الدول العربية.
وفي معرض حديثه عن التوجيه الاستراتيجي، أشار الخوري إلى مبادرة الرؤية العربية للاقتصاد الرقمي، التي اعتمدتها القمة العربية في عام 2022. ووصف هذه الرؤية بأنها إطار عمل لتحديث السياسات العامة وبناء أنظمة اقتصادية رقمية عربية قائمة على المعرفة والابتكار، وأشاد بالدعم الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
في ختام كلمته، أعلن الخوري أن الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي يُطلق مبادرةً لإنشاء لجنة السياسات والتشريعات الرقمية برئاسة معالي المستشار خيري الكباش. وتهدف اللجنة إلى إعداد أطر تشريعية نموذجية، وتزويد البرلمانات والحكومات العربية بالخبرات الفنية والدراسات المتخصصة التي تغطي مجالات التحول الرقمي.
أكد الخوري أن الاتحاد على أتم الاستعداد للعمل مع البرلمان العربي لمواءمة القوانين الوطنية مع متطلبات الاقتصاد الرقمي. وأوضح أن هذا التعاون من شأنه أن يساعد الهيئات التشريعية على تحويل أهداف الرقمنة والاقتصاد الرقمي إلى هياكل قانونية فعّالة تُحدث أثراً ملموساً على الاقتصادات والمجتمعات العربية، مع الحفاظ على الأمن والسيادة والتنمية المستدامة.
With inputs from WAM