دار القلم تُحيي فن الخط العربي في جدة التاريخية
لقد حوّلت النسخة الثانية من برنامج دار القلم للإقامة الفنية في مدارس الفلاح بجدة التاريخية فن الخط العربي إلى ممارسة حية وتجريبية، تربط بين التقاليد العريقة والبحوث المعاصرة والأعمال الرقمية والفنون البصرية، مع ترسيخ مكانة هذا الفن بشكل أقوى في المشهد الثقافي السعودي والمجتمع الفني الدولي الأوسع.
يقع مقر الإقامة في إحدى مناطق التراث العالمي المعترف بها من قبل اليونسكو، وقد حوّل مجمع مدارس الفلاح التاريخي إلى مختبر إبداعي عملي، حيث شكلت المباني التراثية والشوارع المحفوظة والقصص المحلية خلفية للإنتاج الفني والمشاريع البحثية والمشاركة العامة على مدار فترة مكثفة مدتها شهران.

يتم تنظيم هذه المبادرة من قبل مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي، المعروف باسم دار القلم، والذي يسعى إلى تعزيز الخط العربي كعنصر أساسي من عناصر الهوية الثقافية؛ وتدعم الإقامة هذا الهدف من خلال توفير التدريب المنظم والتواصل ووقت الإنتاج للفنانين من المملكة العربية السعودية والخارج.
صرح المدير الفني عبد الرحمن الشاهد بأن البرنامج يشكل جزءاً من سياسات ثقافية أوسع نطاقاً مرتبطة برؤية 2030، مشيراً إلى أن "إقامة دار القلم هي أول مبادرة من نوعها على مستوى العالم متخصصة في فن الخط العربي. وهي تمثل امتداداً لجهود وزارة الثقافة لإحياء هذا الفن العريق في إطار رؤية المملكة 2030".
حملت الطبعة الثانية موضوع "استكشاف الخط العربي"، والذي، بحسب الشاهد، أبرز أكثر من 1400 عام من التطور الفني وسلط الضوء على كيفية استمرار الخط في التعبير عن عمق الهوية الحضارية والثقافية للأمة في مواجهة الأسئلة الجديدة التي تطرحها الثقافة البصرية والتكنولوجيا المعاصرة.
استند إطار الإقامة على أربعة أركان رئيسية: دراسة المدارس الكلاسيكية وأصول الخط العربي، ودراسة الفنون ذات الصلة مثل الزخرفة وتصميم المخطوطات، وتحليل ممارسات الخط المعاصرة وتطورها، وتخيل التوجهات المستقبلية للابتكار في هذا الشكل الفني التاريخي والقابل للتكيف.
اتبع المشاركون جدولاً زمنياً غنياً جمع بين الممارسة في الاستوديو والأنشطة التعليمية، بما في ذلك ورش عمل عملية حول بنية الحروف وتكوينها وموادها، وجلسات إرشاد فردية مع خطاطين معروفين، ومناقشات جماعية نقدية حول المفاهيم الفنية، وجولات ثقافية داخل جدة التاريخية والمناطق المحيطة بها لربط النظرية بالمكان.
إقامة دار القلم للخط العربي والتفاعل العام مع فن الخط العربي
قامت لجنة اختيار متخصصة، مؤلفة من خطاطين بارزين وباحثين وفنانين معاصرين وخبراء ثقافيين، باختيار عشرة مشاركين لهذه الدورة، وقامت بتقييم كل طلب بناءً على السجل الفني وجودة ووضوح المشروع المقترح، ومدى ارتباطه بالابتكار والسياق الثقافي المحلي، مما رفع المستوى العام لمخرجات الإقامة.
كان الفنانون المختارون، والذين تم اختيارهم من المملكة العربية السعودية ودول أخرى، ممارسين محترفين في فن الخط العربي أو الفنون البصرية؛ وقد عاشوا وعملوا في مدارس الفلاح لمدة شهرين، حيث قاموا بتطوير أعمال فردية ومنشآت تعاونية في بيئة مزجت عمداً بين العمارة التقليدية والمرافق الحديثة والأدوات الفنية المعاصرة.
سعى البرنامج إلى توفير بيئة فنية متكاملة، تمكن الخطاطين والفنانين البصريين من صقل مهاراتهم التقنية، والتجريب بوسائل إعلام جديدة، وإنتاج أعمال عالية الجودة تعكس الثراء البصري للخط العربي وقدرته على التفاعل مع التصوير الفوتوغرافي، والتركيب، والتصميم الرقمي، وممارسات الفن المعاصر الأخرى في مساحة متكاملة واحدة.
لقد مثلت جدة التاريخية نفسها مكتبة مرجعية مفتوحة؛ وشملت الزيارات المنظمة مسجد الشافعي، الذي يحفظ مخطوطات خطية يزيد عمرها عن 700 عام، بالإضافة إلى رحلات إلى حي جميل، ومتحف دار الفنون الإسلامية، وهو مكتبة مخطوطات متخصصة، ومعرض عمارة الجمال، وكل ذلك ساهم في توسيع فهم المشاركين للتراث الفني الإقليمي.
صُممت هذه الجولات الثقافية لتعميق المعرفة وتوسيع الآفاق الفنية، مما يسمح للمقيمين برؤية كيف تفاعل الخطاطون السابقون مع الهندسة المعمارية والأماكن الدينية والحياة اليومية؛ وقد ساعدهم هذا السياق على ربط تجاربهم الحالية، سواء على الورق أو في المنشآت أو على المنصات الرقمية، بالطبقات التاريخية والحضرية لجدة.
وقد دعت فعالية "الاستوديو المفتوح" في نهاية فترة الإقامة الزوار إلى التجول في أماكن العمل، ومشاهدة المشاريع المكتملة والمشاريع قيد التنفيذ، والتحدث مباشرة مع الفنانين حول الأساليب والمفاهيم والمراجع؛ وقد حوّل هذا الشكل العملية الإبداعية الخاصة عادةً إلى تجربة مشتركة بين الممارسين والمجتمعات المحلية والجمهور الزائر.
في جميع أنحاء الاستوديو المفتوح، قدمت عشرة مشاريع الخط العربي كأكثر من مجرد أداة للكتابة، حيث تعاملت معه بدلاً من ذلك كهيكل ثقافي وجمالي يمكن أن يظهر في الأعمال القائمة على البحث، والمنشآت المكانية، والتجارب الرقمية، مع التفاعل أيضًا مع الفنون ذات الصلة وطرح أسئلة جديدة حول كيفية تشكيل الابتكار لمستقبل هذا الشكل الفني.
يوصف برنامج دار القلم للإقامة الفنية للخط العربي بأنه نموذج استشرافي لدعم الفنون التقليدية مع الحفاظ على ارتباطها بالمناقشات الفنية الحالية، واستعادة الخط العربي كلغة للجمال والهوية والثقافة، وإثراء المشهد الفني في المملكة العربية السعودية، وتعزيز دور المملكة كمركز دولي للحفاظ على الفنون التراثية وتطويرها برؤية طويلة الأجل واضحة.
With inputs from SPA