الأهمية الثقافية لقربة الماء: أداة بارعة في التراث العربي
أظهر أسلاف شبه الجزيرة العربية براعةً فائقةً في استغلال الموارد الطبيعية لصنع أدوات أساسية. ومن بين هذه الأدوات "القربة"، وهي وعاء تقليدي يُستخدم لتخزين ونقل وتبريد الماء. هذه الأداة، المصنوعة من جلود الحيوانات، كانت تُستخدم أيضًا لحفظ الزبدة والحليب. وهي ترمز إلى الابتكار والاكتفاء الذاتي في مواجهة التحديات البيئية قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة.
يشرح محمد الشومر، الخبير في الأدوات التقليدية، أن القربة تختلف في نوعها وحجمها وموادها. فالسقان، المصنوع من جلد الماعز أو الغنم، يُستخدم لتخزين الماء، إذ تساعد خصائصه المسامية على تبريد الماء طبيعياً. أما السامل، وهو نوع آخر، فيُستخدم لتخزين الحليب وخض اللبن لفصل الزبدة.

تبدأ صناعة القربة بتغطية جلد الحيوان بدهن "الواداك"، وهو دهن مستخرج من الأغنام أو الإبل أو الأبقار. تعمل هذه العملية على تليين الجلد على مدى يومين. بعد ذلك، يقوم "الخراز" (صانع الجلود) بتقطيع الجلد وتجهيزه إلى الحجم المطلوب قبل خياطته بإبرة كبيرة تسمى "المجداب".
صُممت "العكة" خصيصًا لحفظ السمن المصفى، وهي مصنوعة من جلد الغنم. أما "الشكوة" فتُستخدم لأغراض متعددة: حفظ الحليب، وتحويله إلى زبدة ولبن، وحفظ السمن المصفى والعسل. تُبرز هذه الأوعية مرونة الأساليب التقليدية في تلبية الاحتياجات المختلفة.
يتميز تصميم القربة باستخدام جلد رقبة الحيوان كفتحة، بينما يُستخدم جلد قدميه وساقيه كمقابض. وهذا يُسهّل حملها أو تعليقها على الحيوانات أثناء النقل. وتتميز هذه القربات بمتانتها الفائقة، إذ تدوم لسنوات دون أن تتلف.
يشير الشومر إلى أنه حتى وقت قريب، كان الناس يعتمدون على هذه القرب المائية في رحلاتهم الصحراوية التي تستغرق عدة أيام. كما كانت تُعلق خارج المركبات الكبيرة التي تقل ركاباً لتوفير الماء البارد أثناء السفر.
لا تزال هذه الأداة التقليدية تشكل جزءاً هاماً من التاريخ الثقافي في المملكة العربية السعودية. فهي تمثل حلاً بسيطاً وفعالاً لتوفير المياه الباردة في البيئات القاسية قبل التطورات الحديثة.
With inputs from SPA