تعكس قصور وقرى التراث في منطقة الباحة تاريخ تأسيس الدولة وهويتها الثقافية.
تضم منطقة الباحة مجموعة كثيفة من القصور والحصون والقرى والمساجد التاريخية التي تعكس مراحل نشأة المملكة وتطورها اللاحق. تُظهر هذه المواقع كيف عاشت المجتمعات، وكيف حكمت، وكيف مارست التجارة، كما تدعم السياحة الثقافية التي تجذب اليوم زوارًا من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية ومن خارجها.
تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن هيئة التراث إلى أن منطقة الباحة تضم 313 موقعًا أثريًا و2634 موقعًا تراثيًا معماريًا موزعة على مناظر طبيعية ومناخات متنوعة. وتُوثّق هذه المواقع، المبنية بمواد طبيعية محلية، التغيرات الاجتماعية والنمو الاقتصادي والحياة التقليدية، وهي تُساهم اليوم في تعزيز القيمة الاقتصادية من خلال السياحة والأنشطة المرتبطة بالتراث.

ترتبط القرى والمباني التاريخية في منطقة الباحة بالعادات والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية الراسخة، وتساهم في ترسيخ الهوية الوطنية من خلال إبراز التنوع الثقافي في المنطقة. فقد استُخدمت الحجارة وجذوع الأشجار والطين والرمل في بناء المنازل والمساجد والقلاع، مما يدل على تقنيات بناء تتناسب مع بيئة المنطقة ومواردها المتاحة.
تستقبل العديد من هذه القرى التراثية اليوم أعداداً كبيرة من السياح، الذين يأتون لمشاهدة الآثار المعمارية التي خلفتها الأجيال السابقة، ولتجربة كرم الضيافة وحسن الاستقبال المحلي. ويدرس الزوار كيف قام السكان بتكييف منازلهم وأماكنهم العامة وتحصيناتهم الدفاعية مع طبيعة الأرض، من السهول المنبسطة إلى التلال الوعرة، ومع تقلبات الطقس على مدار العام.
| فئة | العدد في منطقة الباحة |
|---|---|
| المواقع الأثرية | 313 |
| مواقع التراث المعماري | 2634 |
يُشير السجل الوطني للتراث المعماري إلى أن قرية بني سالم تحتل مكانة خاصة في منطقة الباحة. فقد ساهم سوقها الأسبوعي الشهير، الذي يُقام كل يوم اثنين، في تشكيل تاريخ القرية وأنماط سكانها ونموها التجاري. كما أثر هذا السوق على تصميم المباني والشوارع، وساعد في تنظيم الحياة الاجتماعية حول التجارة والتجمعات الدورية.
تمتد بني سالم على مساحة تقارب 582 مترًا مربعًا، وتقع على مرتفع صخري طبيعي، حيث تتراص المنازل متقاربة في كتل من طابق واحد أو طابقين. اعتمد البناؤون على الحجر والجرانيت وخشب العرعر والأكاسيا والطين والرمل، مستخدمين هذه المواد في بناء الجدران والأسقف والأعمدة الزخرفية. جمعت المستوطنة بين الوظائف السكنية والتجارية، حيث تواءمت الأشكال المعمارية مع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية اليومية.
قصر الباحة التراثي لابن حبش
من أبرز معالم بني سالم قصر بن حبش التاريخي في محافظة بلجرشي، الذي شغل عدة وظائف رسمية على مر العصور. فقد كانت غرفه وأركانه المبنية من الطوب اللبن تُستخدم في السابق لعقد المشاورات والمناقشات، وكان القصر بمثابة مقر للحكومة وقاعة للمجلس وخزانة للخزانة. ويعكس طرازه المعماري سمات مرتبطة بالعمارة التقليدية لمنطقة الباحة.
قال عبد الله بن أحمد الحبش لوكالة الأنباء السعودية إن القصر سمي على اسم مالكه، قائلاً إن صالح بن مسفير بن حبش بن محمد الذابياني الغامدي ولد حوالي عام 1173 هـ وعاش حوالي 57 عاماً، حتى عام 1230 هـ، خلال حياة وصفت بأنها مليئة بالمساهمات في المجتمع وشؤون المنطقة.
صرح الحبش قائلاً: "شُيّد القصر بدقة متناهية، مستفيداً من خبرة الأجداد في مجال البناء القديم. فقد استخدموا الجرانيت الممزوج بأحجار البازلت، وتتزين قمته بحجر المروة، مما يميز بيوت الإمارة عن غيرها." وتُبرز هذه التفاصيل كلاً من الخيارات المادية والمكانة الرمزية في المجتمع المحلي.
وفي حديثه عن التصميم الداخلي للقصر، أوضح الحبش أنه يعمل كمدينة صغيرة متكاملة، تجمع بين الدفاع والسكن والضيافة ضمن تصميم واحد. ويضم المجمع ثمانية منازل موزعة على مساحة تقارب 3000 متر مربع، ودار ضيافة كبيرة للوفود، وقسماً محصناً، ومنطقة عائلية خاصة، وإسطبلات للخيول الأصيلة، وبئراً داخلياً، والعديد من المساحات الخدمية التي تُظهر تخطيطاً دقيقاً ومهارة في البناء.
يُظهر ثراء التراث في الباحة، من قرى صغيرة كقرى بني سالم إلى مبانٍ ضخمة كقصر بن حبش، كيف نظمت المجتمعات الأمن والحكم والتجارة والحياة اليومية باستخدام المواد والمعارف المحلية. وتقدم هذه المواقع الباقية اليوم للباحثين والزوار دليلاً واضحاً على المراحل التاريخية للمملكة واهتمامها المستمر بالحفاظ على التراث المعماري.
With inputs from SPA