الاستقلالية في مجال الدفاع: صنع القرار المدعوم بالذكاء الاصطناعي والشراكات العالمية في المؤتمر الدولي للدفاع 2026
اختُتم المؤتمر الدولي للدفاع 2026 في مركز أبوظبي الوطني للمعارض (أدنيك) بمشاركة عالمية واسعة ونتائج واضحة. وقد ناقش أكثر من 750 خبيراً الذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، واللوائح التنظيمية. وركز المتحدثون على القيادة والسيطرة، والعمليات المشتركة، وسلامة النقل، والأطر السياسية اللازمة لتبني هذه التقنيات بشكل آمن.
على مدار ثلاث جلسات، أكد قادة عسكريون وهيئات تنظيمية وخبراء تقنيون ومديرو شركات أن الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة تُشكل بالفعل ملامح الدفاع الحديث. واتفق المشاركون على أن هذه التقنيات تزيد من سرعة ونطاق العمليات، ولكن يجب مع ذلك الحفاظ على السيطرة البشرية والمساءلة والثقة، بدعم من قوانين محدثة ومعايير دولية مشتركة.

جمع برنامج المؤتمر بين المواضيع الاستراتيجية والتشغيلية والتنظيمية في برنامج واحد. قيّمت الجلسة الافتتاحية القيادة والسيطرة في عصر الذكاء الاصطناعي. وتناولت الجلسة الثانية القوات ذاتية القيادة في العمليات المشتركة والتكتيكية. وركزت الجلسة الختامية على السلامة والاعتماد والتنظيم لأنظمة التنقل والنقل ذاتية القيادة.
وانضمت إلى المناقشات شخصيات إماراتية ودولية رئيسية. وكان من بين المتحدثين سعادة الدكتور محمد الكويتي، والعميد خميس الكعبي، والدكتورة نجوى الأعرج، والفريق المتقاعد جون نيكلسون، والمهندس عقيل أحمد الزرعوني، والدكتور عبدالله حمد الغفيلي، وسعادة أحمد علي بلقيزي، وأنجيل مارتن، إلى جانب كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الدفاع والتكنولوجيا.
{TABLE_1}
تناولت الجلسة الختامية التحديات التي تواجهها الأنظمة ذاتية التشغيل في النقل الجوي والبري، والتي تُشكّل تحدياً للأطر التنظيمية الحالية. وأشار المشاركون إلى أن التكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من المعايير والقوانين، مما يُؤدي إلى مخاطر إذا لم تواكب السلامة وقابلية التشغيل البيني والشهادات هذا التطور. وحُثّت الجهات التنظيمية والمشغلة على التعاون المبكر والشفاف.
أكد المهندس عقيل أحمد الزرعوني على أهمية عمليات الرقابة والاعتماد في بناء ثقة الجمهور بالأنظمة ذاتية التشغيل. وأوضح الزرعوني أن الثقة تعتمد على "تصميم نظام واضح، وتشغيل شفاف، واعتماد موثوق"، وسلط الضوء على دور منظمة الطيران المدني الدولي في وضع قواعد عالمية مشتركة ومعايير فنية موحدة.
أكد الدكتور عبد الله حمد الغفيلي على ضرورة أن تشكل المبادئ الأخلاقية والموثوقية أساس الثقة في الأنظمة ذاتية التشغيل. ودعا الدكتور الغفيلي إلى وضع أطر قانونية مرنة تواكب التطورات السريعة وتدعم العمليات الآمنة والمسؤولة، بما في ذلك التسويق والنشر الخاضعين للرقابة، لا سيما مع انتشار الخدمات الآلية عبر شبكات النقل المدنية والعسكرية.
أكد معالي أحمد علي بلقيسي على ضرورة تعامل الجهات التنظيمية مع المشغلين كشركاء، لا مجرد جهات خاضعة للإشراف. وأوضح بلقيسي أن التبني الفعال للتقنيات الجديدة يتطلب تقليل مقاومة السوق من خلال المشاركة المبكرة، ووضوح التوقعات التنظيمية، والتواصل المستمر بين السلطات والموردين، لضمان الامتثال وتحقيق أعلى مستويات السلامة.
ربط أنجيل مارتن بين تنظيم الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل ومتطلبات الشراء والنشر. وحدد مارتن ثلاث أولويات: ضمان السلامة طوال دورة حياة النظام، والتوافق التقني بين الأنظمة المختلفة، والاعتراف المتبادل بالشهادات والمعايير بين الدول. وأضاف مارتن أن التوافق السياسي لا يزال ضروريًا لحل العقبات التقنية والتشريعية التي تواجه منصات الدفاع والنقل ذاتية التشغيل.
الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة في القيادة والسيطرة الدفاعية
ناقشت الجلسة الأولى للمؤتمر كيف تُغيّر تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة مفاهيم القيادة والسيطرة. وتناول المتحدثون العمليات القائمة على البيانات، والشبكات الآمنة، والتعاون بين الإنسان والآلة. واتفقوا على أن هذه العوامل تُعيد تشكيل عملية صنع القرار، وتبادل المعلومات، والثقة، مع الحفاظ على الدور المحوري للحكم البشري في المنظمات والتحالفات الدفاعية.
ضمت الجلسة معالي الدكتور محمد الكويتي، والعميد الركن خميس الكعبي، والدكتورة نجوى الأعرج، والفريق المتقاعد جون نيكلسون. وتناول النقاش، الذي أدارته هالة مجيد، تأثير منصات البيانات، وأدوات الذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصالات المرنة على الردع، وسرعة الاستجابة، وإدارة العمليات المعقدة متعددة المجالات.
استهلّ معالي الدكتور الكويتي كلمته بالتأكيد على الأهمية الاستراتيجية للبيانات وضرورة وجود منصات هجينة مترابطة. وأوضح الدكتور الكويتي أن "البيانات أصبحت المحرك الرئيسي لعملية صنع القرار"، واستعرض نهج دولة الإمارات العربية المتحدة الذي يوازن بين متطلبات السيادة الوطنية والتعاون الدولي العميق في مجال الأمن السيبراني وتقنيات الدفاع.
وأضاف الدكتور الكويتي أن الابتكار والحوكمة والمهارات تظل عناصر أساسية لأنظمة الدفاع المستقبلية. وأبرز النقاش تعليقاً آخر للدكتور الكويتي مفاده أن "الشراكات ضرورة حتمية، إذ يستحيل بناء دفاع متكامل أو صورة عملياتية مشتركة بدونها"، مؤكداً بذلك على أهمية التعاون عبر الحدود والقطاعات.
أيد العميد الركن خميس الكعبي هذه الآراء، مشيرًا إلى النمو السريع في الأجهزة المتصلة وتدفقات البيانات. وأوضح العميد الركن الكعبي أن على القوات المسلحة تعزيز قدراتها على استيعاب وتحليل كميات هائلة من المعلومات، ثم تحويل هذه التدفقات إلى قرارات فعالة وفورية في بيئات العمليات الموزعة.
خلص المتحدثون إلى أن "العقل العملياتي" العسكري ينتقل من المقرات الثابتة إلى الشبكات الموزعة. وستقوم المنصات الذكية والمشغلون البشريون بتحليل البيانات واتخاذ الإجراءات اللازمة بشكل مشترك. سيساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع دورات صنع القرار، إلا أن الإشراف البشري سيظل بالغ الأهمية لضمان الدقة والتناسب والمعايير الأخلاقية في السيناريوهات المعقدة.
وفي معرض حديثه عن السرعة، صرّح العميد الركن الكعبي قائلاً: "ستكون السرعة عاملاً حاسماً؛ إذ ستُتخذ القرارات في غضون ثوانٍ، لا دقائق أو ساعات"، مؤكداً في الوقت نفسه على أن العنصر البشري يبقى محور العملية. وأضاف العميد الركن الكعبي: "من يمتلك ميزة السرعة سيحظى بالأفضلية في ساحة العمليات".
أكدت الدكتورة نجوى الأعرج أن الذكاء الاصطناعي يدعم القادة البشريين ولا يحل محلهم. وقالت: "لن يحل الذكاء الاصطناعي محل القائد؛ فالقائد يبقى المسؤول الأول عن القرارات والمخاطر، ويكمن دور الذكاء الاصطناعي في دمج البيانات، ودعم اتخاذ القرارات في الوقت الفعلي، والمساهمة في التخطيط وتحديد مسار العمل، شريطة أن يتوافق ذلك مع متطلبات المهمة".
قدّم الفريق المتقاعد جون نيكلسون رؤية استراتيجية ترحّب بالحفاظ على الحكم البشري. وأوضح نيكلسون أن الذكاء الاصطناعي قادر على "تقليل الغموض وتمكين اتخاذ قرارات أكثر دقة، مما قد يُسهم في الحدّ من احتمالية نشوب النزاعات". كما حذّر نيكلسون من ضرورة دعم الثقة في المعلومات والأنظمة من خلال التدريب المستمر.
وأضاف نيكلسون أن تسريع دورة اتخاذ القرار أمرٌ قيّم، لكن يجب على المشغلين تجنب "وهم اليقين". وتصور المتحدثون معًا شبكات قيادة تُدمج فيها قدرات الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، مع احتفاظ الخبراء البشريين بالسلطة. واعتُبرت الصناعة والمؤسسات الدفاعية وصناع السياسات شركاء في بناء بنى قيادة مرنة وآمنة وقوية.
الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة في العمليات المشتركة والتكتيكية
تناولت الجلسة الثانية، بعنوان "القوة المستقلة - دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات المشتركة والتكتيكية"، تطبيقاتها في ساحة المعركة. وناقش مسؤولون تنفيذيون من قطاعات الدفاع والفضاء والتكنولوجيا كيف تؤثر الأنظمة المستقلة القائمة على الذكاء الاصطناعي على المهام البرية والبحرية والجوية. وسلطوا الضوء على تأثيراتها على التنسيق واللوجستيات والقدرة على الصمود في البيئات المتنازع عليها.
ضمت اللجنة، برئاسة حسن الحوسني، كلاً من نائب الأدميرال المتقاعد بوب هاروارد، والدكتورة أناستازيا ماكاليستر، وفينسنت جيكل، وخالد الزعابي. وقدّم المتحدثون شرحاً مفصلاً للمشاريع الجارية التي تربط أجهزة الاستشعار والمنصات والشبكات، مما يسمح لفرق أصغر بإدارة قوات أكبر مع الحفاظ على الوعي الظرفي عبر مجالات وأنواع مهام متعددة.
أشار المتحدثون إلى أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تغييرًا جذريًا في كيفية تنفيذ المهام وتنسيقها. فهو يُضاعف القوة، ويُحسّن التعاون بين الوحدات والخدمات، كما يدعم وتيرة عملياتية أعلى مع الاستخدام الأمثل للموارد. ورأى المشاركون أن هذه التوجهات أساسية للمرحلة التالية من التحول الدفاعي الحديث على مستوى العالم.
أشار هاروارد إلى الآثار الواضحة للتقنيات المستقلة، قائلاً: "لقد غيرت قدرات الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة بالفعل... من مواجهة التدخل إلى جعل سلسلة الإنتاج شبه فورية. هذه مجرد أمثلة قليلة على التحول الجذري الذي يحدث، وما نشهده اليوم ليس سوى البداية".
وتابع هاروارد قائلاً إن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يؤثر على تصميم المنصات. وأوضح قائلاً: "التكنولوجيا تحدد الآن ما يمكن للمنصات فعله، وسنحتاج إلى تطوير منصات تواكب هذه القدرات"، مشيراً إلى أن الأنظمة القديمة قد تواجه صعوبات دون ترقيات تعكس مفاهيم التشغيل القائمة على البرمجيات والبيانات.
أبرز خالد الزعابي كيف تُمكّن تقنيات الذكاء الاصطناعي فرق العمل الصغيرة من التحكم في أساطيل منصات واسعة ومتنوعة عبر مختلف المجالات. وقال الزعابي: "الهدف هو مضاعفة القوة... فالاستخدام الفعال لمنصات متعددة في آن واحد يُتيح تأثيرًا أكبر بكثير". وأكد الزعابي على ضرورة أن تدعم المنصات التوسع السريع وإلا ستواجه خطر التقادم مع توسع قدرات الذكاء الاصطناعي.
أكد الدكتور ماكاليستر على ميزة السرعة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ودعم اتخاذ القرارات. وصرح قائلاً: "الذكاء الاصطناعي تقنية تمكينية... والتغيير يحدث بسرعة البرمجيات... أصبح بإمكاننا الآن معالجة كميات هائلة من البيانات وتحويلها إلى رؤى قابلة للتنفيذ". ووُصفت هذه القدرة بأنها حيوية للمهام الحساسة للوقت.
أصرّ فينسنت جيكل على إبقاء القيادة البشرية محورية. وقال جيكل: "تتطور العمليات المشتركة بسرعة وتُنتج كميات هائلة من البيانات، ويُحوّل الذكاء الاصطناعي هذه البيانات إلى مدخلات قابلة للتنفيذ تدعم التخطيط والتنسيق عبر مختلف المجالات". وأضاف جيكل أن دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة يُمكن أن يُسرّع عملية اتخاذ القرارات من خلال تقديم توصيات موثوقة.
تناولت الجلسة أيضًا مسألة المساءلة والإشراف البشري في العمليات المستقلة. وعلّق هاروارد قائلاً: "ستكون المساءلة عنصرًا أساسيًا في التنفيذ، وفي تصميم الذكاء الاصطناعي، وفي القواعد التي تحكم نشره". وأيد المتحدثون هياكل حوكمة واضحة تحدد المسؤوليات في كل مرحلة من مراحل تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره واستخدامه التشغيلي.
وصف الدكتور ماكاليستر دور التدريب في بناء الثقة، قائلاً: "لن يضغط البشر ببساطة على زر "أوافق" دون تدريب عملي أثناء العمليات. إن دمج هذه التقنيات في التدريب يعزز الثقة ويبني نماذج ذهنية مشتركة بين الإنسان والآلة". وقد اعتُبر التدريب أساسياً للأداء الآمن والموثوق في البيئات المعقدة.
خلص المشاركون إلى أن مستقبل العمليات الدفاعية ذاتية القيادة لا يعتمد على التكنولوجيا فحسب، بل أكدوا على أهمية الثقة والتنسيق والشراكات في جميع أنحاء منظومة الدفاع، بما في ذلك الحكومات والصناعة والجهات المشغلة. وستدعم هذه العلاقات دمج الذكاء الاصطناعي بشكل فعال ومسؤول خلال فترة التبني السريع وتزايد متطلبات المهام.
الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة في استراتيجية الدفاع والشراكات
اختتم سعادة الدكتور ناصر النعيمي، الأمين العام لمجلس توازن لتمكين الدفاع، كلمته بربط نتائج الجلسات. وشكر الدكتور النعيمي صاحب السمو الشيخ حمدان بن محمد بن زايد آل نهيان على دعمه لتطوير قطاع الدفاع ورعايته لمجلس الأنظمة الذكية المستقلة.
أكد الدكتور النعيمي أن الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة لم تعد مجالات ناشئة، بل أصبحت عناصر أساسية في هياكل الدفاع المعاصرة. وأوضح قائلاً: "لقد أصبحت هذه التقنيات واقعاً ملموساً، ويمتد تأثيرها من الأنظمة غير المأهولة العاملة في مناطق النزاع، مروراً بأنظمة دعم القرار التي تعالج كميات هائلة من بيانات الاستخبارات الآنية، وصولاً إلى خوارزميات الصيانة التنبؤية التي تعزز الجاهزية العملياتية".
حثّ الدكتور النعيمي على تعزيز الروابط بين الحكومات والقطاع الصناعي ومراكز الأبحاث، بهدف تسريع وتيرة الابتكار مع الحفاظ على معايير التنمية المسؤولة. وأكد على ضرورة ضمان أمن وموثوقية واستدامة تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المستقلة في مجال الدفاع، بما يدعم الجاهزية العملياتية والاستقرار طويل الأمد في البيئات الأمنية الإقليمية والعالمية.
With inputs from WAM