درب زبيدة: طريق الحج القديم الذي ربط الحضارات
رفحاء، 03 ذو الحجة 1445هـ - "درب زبيدة" هو طريق الحج ذو الأهمية التاريخية في شبه الجزيرة العربية. وقد سهّل هذا المسار الذي سلكته القوافل التجارية القديمة التبادل الثقافي والمعرفي بين مختلف الحضارات. وهو من أقصر الطرق بين الكوفة والأراضي المقدسة، ويتميز بدقة تخطيطه وهندسته.
تم تصميم "درب زبيدة" بدقة مع وجود محطات ومحطات استراحة على طوله. وتم رصف الطريق بالحجارة في مناطق رملية لتسهيل الرحلة على الحجاج وتخفيف معاناتهم من العطش وأشعة الشمس القاسية. وقد وثق الجغرافيون والرحالة المسلمون القدماء، ومن بينهم الليدي آن بلانت في كتابها "رحلة إلى أرض نجد"، هذا الطريق.

كما ذكر ياقوت الحموي وأبو إسحاق إبراهيم الحربي "درب زبيدة" في مصنفاتهم. ولاحظوا وجود الأعلام والمنارات والمواقد التي كانت ترشد المسافرين من الكوفة إلى مكة. ساعدت هذه العلامات المسافرين على التنقل ليلاً باستخدام المواقد والمشاعل، ونهارًا باستخدام المنارات واللافتات الحجرية.
تنتشر في الطريق العديد من المواقع الأثرية مثل الآبار والبرك والسدود والقصور والمساجد وغيرها من المرافق الأساسية. وأوضح الدليل السياحي خلف الغفيلي أن اللافتات والمنارات الموجودة على طول "درب زبيدة" مبنية من الحجر. وتكون هذه العلامات إما مربعة أو دائرية الشكل وتعرف بالبريد والمشرف.
وتبلغ المسافة بين كل مركز حوالي 12 ميلاً إسلاميًا (24 كيلومترًا)، مع وضع مشرف في منتصف الطريق لقطع المسافة. وكان لكل عمود لوحة تشير إلى رقمه، والمسافة المتبقية إلى المركز التالي، والمسافة الإجمالية بين الكوفة ومكة، وهي 758 ميلاً إسلاميًا (1516 كيلومترًا).
وأكد الباحث الأثري عبد الرحمن التويجري أن "درب زبيدة" كانت مزودة بالعديد من الإشارات المرورية مثل المنارات والجماجم والمواقد. تشير هذه العلامات إلى طرق المسافرين ليلاً ونهارًا. وكان أبو إسحاق إبراهيم الحربي من أوائل الجغرافيين الذين وثقوا هذه الأعلام والأميال على طول طريق الحج الكوفة-مكة.
ولاحظ الحربي أن الأعلام انتشرت بشكل كبير في مناطق السهل، حيث بلغ متوسط المسافات بينها كيلومترين (ميل واحد تقريبا). وفي المناطق التي تتداخل فيها الطرق أو تتباعد، يتم وضع الأعلام بالقرب من بعضها البعض لمنع المسافرين من فقدان طريقهم. كما تم بناء هذه الأعلام على التلال والمرتفعات الطبيعية للرؤية من مسافات طويلة.
لا تكمن الأهمية التاريخية لـ"درب زبيدة" في دورها كطريق للحج فحسب، بل أيضًا كدليل على البراعة الهندسية القديمة. ويسلط التخطيط والبناء الدقيقان لهذا الطريق الضوء على المعرفة المتقدمة بالجغرافيا والهندسة التي امتلكتها الحضارات المبكرة في شبه الجزيرة العربية.
With inputs from SPA