الدماغ يرسل "إشارة غريبة" عندما ينوي الشخص الكذب
كشفت دراسة رائدة أجراها باحثون من مختبر الذاكرة الحاسوبية بجامعة بنسلفانيا مع زملاء في جامعة شيكاغو، أن الدماغ يصدر إشارة مميزة في اللحظات التي تسبق الكذب أو استرجاع ذاكرة غير صحيحة. تمثل هذه النتيجة، التي نشرت في مجلة PNAS المرموقة، خطوة مهمة إلى الأمام في فهمنا للذاكرة والإدراك.
ركزت الدراسة على الحصين، وهي منطقة مهمة داخل الفص الصدغي للدماغ معروفة بدورها في تكوين واسترجاع الذكريات. وقد سلطت الأبحاث السابقة الضوء على دور الحصين في التمييز بين الذكريات الحقيقية والذكريات الكاذبة. الذكريات الكاذبة، التي تختلف عن الأكاذيب المتعمدة، يمكن أن تنشأ بشكل طبيعي عندما يتذكر الأفراد الأحداث الماضية بشكل خاطئ، مثل ما تناولوه على الإفطار أو الكوب الذي استخدموه.

في هذا البحث الأخير، اكتشف العلماء كيف يمكن للحصين أن يفرق بين الذكريات الحقيقية والملفقة من خلال مراقبة الإشارات الكهربائية. شملت الدراسة مشاركين مصابين بالصرع، والذين تم زرع أقطاب كهربائية لديهم بالفعل لمراقبة النوبات، مما يوفر فرصة فريدة لقياس النشاط الكهربائي للدماغ مباشرة.
المنهجية والاكتشافات
تضمنت منهجية البحث تقديم قائمة من الكلمات للمشاركين لحفظها، تليها فترة راحة. دون علمهم، عُرض عليهم في البداية قائمة منفصلة تهدف إلى خلق ذكريات كاذبة. وعندما حاول الأشخاص بعد ذلك تذكر القائمة الأصلية وأدرجوا عن طريق الخطأ كلمات من القائمة الخاطئة، لوحظ تغير واضح في الإيقاع الكهربائي للحصين. ويتنوع هذا التغيير، الذي يستمر أقل من ثانية، باختلاف الكلمات التي تم تذكرها بشكل صحيح أو غير صحيح.
وقد علق نوح هيرز، الأستاذ المساعد في علم الأعصاب في جامعة توماس جيفرسون والمؤلف الرئيسي للدراسة، على أهمية هذه النتائج، قائلاً إنها "سمحت لنا بقياس الإشارات العصبية المتولدة في هياكل الدماغ العميقة بشكل أكثر دقة ومباشرة". هذا التحسين في الخصوصية يمكن أن يمهد الطريق لتحسين فهم وعلاج الاضطرابات المرتبطة بالذاكرة.
نحو علاجات جديدة لاضطراب ما بعد الصدمة
أحد الجوانب الأكثر إلحاحًا في الدراسة هو آثارها المحتملة على علاج حالات مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). غالبًا ما يعاني الأفراد الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة من تذكر لا إرادي للأحداث المؤلمة، حتى في البيئات الآمنة التي لا تشبه الصدمة الأصلية. يشير البحث إلى أن التدخلات المستهدفة، التي تعطل استرجاع مثل هذه الذكريات المتطفلة، يمكن أن تقدم طرقًا علاجية جديدة لأولئك الذين يعانون من الأمراض النفسية المرتبطة بالتوتر.
لا تعمل هذه الدراسة على تعزيز فهمنا لدور الحصين في التمييز بين الذكريات الحقيقية والكاذبة فحسب، بل تسلط الضوء أيضًا على إمكانية تطوير استراتيجيات علاجية جديدة للحالات المرتبطة بالذاكرة. وبينما يواصل الباحثون فك رموز آليات الدماغ المعقدة، فإن هذا العمل يمثل علامة فارقة في الرحلة نحو فهم العقل البشري وشفاءه.