الأوركسترا الوطنية الإماراتية تفتتح موسمها الأول مع الأوركسترا السيمفونية الإماراتية في أبوظبي
قدّمت الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة أول برنامج جماهيري لها بعنوان "البداية، سيمفونية إماراتية" على مسرح قصر الإمارات في 16 يناير، حيث قدّمت عرضاً أوركسترالياً ضخماً مزج بين الأشكال الموسيقية الإماراتية والتقاليد السيمفونية العالمية. وشارك نحو 70 موسيقياً و30 مغنياً على خشبة المسرح، مقدمين عرضاً منظماً يستكشف التراث الوطني والطموح الفني والهوية الثقافية، ما حظي بتصفيق حار من الجمهور الذي ضمّ كبار المسؤولين والسفراء والشخصيات الثقافية.
شكّل الحفل جزءاً من الموسم الافتتاحي للأوركسترا الوطنية الإماراتية، وكان بمثابة أول لقاء كامل لها مع الجمهور. وقد أبرزت الأمسية الموسيقى كأداة سردية وطنية، رابطةً بين الذاكرة والجغرافيا واللغة والممارسات الأوركسترالية المعاصرة. وأكدت ردود فعل الجمهور على دور هذا الأداء كمرجع في التطور الثقافي لدولة الإمارات، لا سيما للمراقبين الذين يتابعون تطور المشاريع الفنية المؤسسية في منطقة الشرق الأوسط.
افتُتح الحدث بعرضٍ مسرحي استعرض جذور الموسيقى الإماراتية قبل بدء الأعمال السيمفونية الرئيسية. استخدم الموسيقيون والمغنون اللحن والإيقاع والحركة المكانية لرسم صورة تجريدية للتقاليد الصوتية المحلية، التي تشكلت تاريخيًا بفعل الشعر والحكايات الشفوية والبيئة الطبيعية. وقد أرسى هذا الجزء سياقًا عاطفيًا وتحليليًا، مما أتاح للمستمعين ربط الممارسات القديمة بالذخيرة الأوركسترالية المُستحدثة التي عُرضت لاحقًا في البرنامج.
استلهمت هذه الفقرة التمهيدية من أنماط موسيقية إماراتية تقليدية كالتغرودة والعيالة والأحلى والندبة. وقد ظهر كل نمط منها كمادة موضوعية أو نمط إيقاعي، لا كإعادة إنتاج مباشرة، مستحضراً التجمعات الموسيقية القديمة التي عبّرت عن الصمود والتماسك الاجتماعي والانتماء. ومن خلال الإشارة إلى هذه الأشكال، أكد العرض كيف يمكن للموسيقى أن تحافظ على التراث، وتدعم الروابط المجتمعية، وتساهم في بناء هوية مشتركة تنتقل بين الأجيال في الإمارات.
أوضحت معالي نورة بنت محمد الكعبي، وزيرة الدولة ورئيسة مجلس إدارة الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، المبادئ التوجيهية للمؤسسة قائلةً: "للموسيقى قدرة فريدة على توحيد الشعوب، واحتضان التنوع الثقافي، وتعزيز الشعور بالانتماء. وانطلاقاً من هذه القيم، تأسست الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة كمؤسسة وطنية تحتفي بهويتنا، مستلهمةً من التراث الموسيقي لدولة الإمارات، ومقدمةً إياه بأسلوب معاصر. وهي تعكس الهوية الإماراتية المبنية على الثقة والفخر. ويمثل هذا الحفل الافتتاحي بداية رحلة طويلة وطموحة، تفتح الباب أمام الجمهور للمشاركة في رحلة موسيقية تعبر عن قيمنا الراسخة، وروحنا الإبداعية، ووحدتنا الوطنية."
أكدت نورة بنت محمد الكعبي في بيانها على مكانة الأوركسترا كأرشيف ومختبر في آنٍ واحد، إذ تحافظ على الأشكال الموسيقية الراسخة وتشجع في الوقت نفسه على ابتكار مؤلفات جديدة. وبالنسبة للجمهور في الإمارات العربية المتحدة والمنطقة عموماً، أبرزت الرسالة كيف يمكن للفرق الموسيقية الوطنية توثيق الذاكرة الثقافية من خلال البحث والتوزيع الموسيقي والأداء. وبذلك، لم يقتصر دور الحفل على الترفيه فحسب، بل كان أيضاً خطوة ملموسة نحو بناء بنية تحتية موسيقية مستدامة في الدولة.
أوضحت الشيخة علياء بنت خالد القاسمي، المديرة العامة للأوركسترا الوطنية الإماراتية، كيف تُجسّد الفرقة دورها في المشهد الثقافي المعاصر. وقالت الشيخة علياء: "تهدف الأوركسترا الوطنية إلى الاحتفاء بالتراث الموسيقي الإماراتي، وتقديمه بروح معاصرة تُعبّر عن طموح الدولة في بناء صوت موسيقي حديث يعكس هوية وطنية فخورة بثقافتها، وواثقة من قدرتها على الإبداع والإسهام في المشهد الثقافي العالمي. وقد تجاوزت الأوركسترا الوطنية، في عرضها الأول، حدود الموسيقى، مُقدّمةً سردًا شاملاً يُحتفي بالصوت الإماراتي ويُبرز مساراته المتنوعة."
وأضافت الشيخة علياء: "يمثل اجتماع أعضاء الفرقة، من موسيقيين ومغنين، بداية رحلة نحو أوركسترا وطنية أصيلة تتفاعل مع جمهورها في جميع أنحاء الإمارات". وتوافق هذا المنظور مع برنامج الأمسية، الذي جمع بين المقطوعات الموسيقية العالمية، والآلات الموسيقية الإقليمية، والأعمال الإماراتية الجديدة. وأشار البرنامج إلى خطة طويلة الأمد لتطوير صوت أوركسترالي مميز يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدولة الإمارات، وفي الوقت نفسه يكون مفهومًا للجمهور العالمي.
جمع القسم الأول من البرنامج الرئيسي بين مقطوعات موسيقية غربية شهيرة وأعمال تُبرز آلات موسيقية شرق أوسطية. ظهرت مقطوعة "رقصات بولوفيتسيان" لألكسندر بوردين من أوبرا الأمير إيغور بتوزيع أوركسترالي يُؤكد على الطابع الشرقي، مُنشئًا روابط صوتية مع الأنماط الموسيقية الإقليمية. تلتها مقطوعتان لآلة القانون والأوركسترا: "عليشماديم" لإرجان ساتشي و"كايبولان ييلار" لسيزن أكسو، مما أتاح للآلة الوترية التفاعل مع القوى السيمفونية الكاملة.
تضمن البرنامج أيضاً مقطوعتي "إشراق" و"رحلة الأرواح" لعازف العود العالمي نصير شما، بالتعاون مع عازف القانون أيتاش دوغان وأوركسترا الإمارات الوطنية بأكملها. وقد أبرزت هاتان المقطوعتان تركيز الحفل على جودة الصوت وتناغمه، حيث تم دمج آلات العود والقانون في العمل الموسيقي الجماعي. وقد لاقت المقطوعتان استحساناً كبيراً من الجمهور، مما يدل على رغبتهم في الاستماع إلى الآلات التقليدية ضمن إطار سيمفوني.
اختُتمت الأمسية بالعرض العالمي الأول لسمفونية "البداية"، وهي سيمفونية إماراتية من تأليف نديم ترابيه. صُممت هذه المقطوعة الأوركسترالية الضخمة تكريمًا للتطور الموسيقي في دولة الإمارات العربية المتحدة، واستلهمت من مراجع ثقافية وتاريخية وبيئية من مختلف أنحاء الدولة. أعاد ترابيه صياغة هذه المصادر ضمن لغة سيمفونية حديثة، مُستلهمًا ألحانًا من أشكال موسيقية إماراتية أصيلة، ومستخدمًا في الوقت نفسه تقنيات التوزيع الموسيقي المُستخدمة في قاعات الحفلات الموسيقية العالمية.
ضمّ عرض "البداية" مقطوعات "العيالة" الساحلية، و"العيالة العين"، ورثاء "الشوح"، و"الموال العزي"، و"الحربية الرضوية"، جميعها مُعالجة بأساليب هارمونية وبنيوية معاصرة. حافظ هذا الأسلوب على الهويات الإيقاعية واللحنية المميزة، مع تقديمها في قالب يناسب جمهور الأوركسترا العالمية. وتوافق هذا العمل مع الهدف المعلن للأوركسترا الوطنية: تكريم التراث مع صياغة رؤية ثقافية مستقبلية تضع دولة الإمارات العربية المتحدة في مصاف الشبكات الموسيقية العالمية.
قام أمين قويدر، المدير الفني وقائد أوركسترا الإمارات الوطنية، بتحليل الشخصية الناشئة للأوركسترا. وصرح قائلاً: "كشفت هذه الحفلة الموسيقية عن خصائص أوركسترا الإمارات الوطنية، القائمة على مزج الموسيقى الشرقية والغربية. وقد أظهرت قدرتها على بناء صوت موسيقي يعكس الهوية الإماراتية، ويعبّر في الوقت نفسه عن القيمة الحقيقية للموسيقى كأداة للتواصل بين الثقافات. وقد تجلى ذلك في كل تفصيل، بدءًا من الأصوات المميزة للآلات الموسيقية الخاصة بثقافات المنطقة، وصولاً إلى القوة الكاملة للأوركسترا وجوقة الغناء المصاحبة لها. ولذلك، يمثل هذا الافتتاح بداية رحلة طويلة لصوت أوركسترا وطني سيتردد صداه في جميع أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة."
شكّل الحفل جزءًا من برنامج أوسع لـ"البداية، سيمفونية إماراتية"، المقرر عرضها في مختلف الإمارات خلال شهر يناير كجزء من جولة الموسم الأول. ومن المقرر إقامة عروض إضافية في فبراير ومارس 2026، مما يتيح للجمهور فرصة أكبر للاستمتاع بالعمل، ويتيح للجماهير في مختلف الإمارات التفاعل مع البرنامج نفسه. كما يتيح هذا النهج للباحثين والممارسين رصد كيفية اختلاف أنماط استقبال العروض بين أماكن العرض المختلفة.
أكد حضور صاحب السمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، إلى جانب كبار الشخصيات والمسؤولين والسفراء، الدعم المؤسسي للمشروع. وأظهر التفاعل الحماسي من الجمهور، بما في ذلك التصفيق الحار، اهتماماً كبيراً بالعروض المنظمة للتراث الموسيقي الإماراتي. وبذلك، يُعد الحفل الافتتاحي للأوركسترا الوطنية الإماراتية حدثاً بارزاً في تاريخ الدولة الثقافي، يربط بين الممارسة الفنية والهوية الوطنية والبرامج المستقبلية.
With inputs from WAM

