رمضان في القيروان: النبض الروحي لمسجد عقبة بن نافع
مع حلول شهر رمضان، تتحول مدينة القيروان التونسية إلى مركز رئيسي للعبادة. ويستقطب جامع عقبة بن نافع الكبير أعداداً غفيرة من المصلين والزوار من مختلف أنحاء تونس. وتستضيف ساحاته الواسعة ومعالمه المعمارية التاريخية فعاليات دينية يومية تؤكد مكانة القيروان كمدينة إسلامية رائدة في شمال أفريقيا.
يظل جامع عقبة بن نافع الكبير يعجّ بالزوار من الصباح الباكر حتى وقت متأخر من المساء. وتُعقد حلقات تحفيظ القرآن الكريم بالتزامن مع دروس في الفقه الإسلامي والعقيدة. ويلقي معلمون دينيون محاضراتٍ للطلاب والمصلين في فصولٍ منظمة. وتُعدّ هذه الجلسات استمراراً لتقليدٍ عريق يُؤكد مكانة القيروان كمركزٍ هامٍ للتعليم الإسلامي في المنطقة.

بالنسبة للعديد من التونسيين، تمثل القيروان مدينة نابضة بالحياة ورمزاً للهوية الدينية. أسسها عقبة بن نافع في القرن الأول الهجري لتكون قاعدة لنشر الإسلام في شمال أفريقيا. وعلى مر القرون، توافد إليها العلماء والفقهاء والطلاب، فساهموا في تحويلها إلى مركز للعلم والروحانية.
مع حلول الليل في شهر رمضان، يتوافد المصلون إلى جامع عقبة بن نافع الكبير. وتتجمع الحشود لأداء صلاتي العشاء والتراويح بين أعمدة الجامع العريقة. تتسع ساحاته الفسيحة لمئات المصلين. وتتردد تلاوات القرآن الكريم في أرجاء الجامع، مما يخلق جواً من السكينة والخشوع للصلاة والتأمل.
في أنحاء القيروان، تظهر أجواء رمضان بوضوح في الأيام الأولى من الشهر. فالأزقة القديمة والجدران التاريخية مزينة بالأضواء والفوانيس. وتتألق المساجد والزوايا الصوفية بإضاءة بسيطة. وتمتد البرامج الدينية إلى ما هو أبعد من الجامع الكبير، محولةً أجزاءً كبيرة من المدينة إلى فضاء حيوي للعبادة والتأمل.
أثناء تجول الزوار في أروقة المسجد، يرون أسسًا تعود إلى القرن الأول الهجري. يشعر الكثيرون بارتباط وثيق بتاريخ الإسلام المبكر في شمال إفريقيا. يستحضر الموقع الفترة التي انطلقت فيها الفتوحات من القيروان، ومنها انتشر الحكم والثقافة الإسلامية غربًا عبر شمال إفريقيا وصولًا إلى الأندلس.
يصف المؤرخون والمصلّون مدينة القيروان بأنها إحدى العواصم الثقافية لتونس، إذ تربط بين الممارسات الدينية وتراث علمي عريق. فداخل أسوارها، تتعايش الدراسة النظامية واللقاءات الروحية جنباً إلى جنب، مما يعزز مكانة القيروان كمكان يلتقي فيه الإيمان والمعرفة والتاريخ خلال شهر رمضان وعلى مدار العام.
خلال شهر رمضان، يتجلى دور القيروان بشكل أوضح، إذ تتحد فيها العبادة والتراث والذاكرة. يتنقل الزوار بين جامع عقبة بن نافع الكبير وأزقة المدينة القديمة الضيقة، ويخوض الكثيرون رحلة روحية تعكس قرونًا من التاريخ الإسلامي. وهكذا، تواصل القيروان حماية جزء هام من الهوية الثقافية لتونس.
With inputs from SPA