أصوات الجمال كلغة ثقافية تعكس تراث الصحراء في المملكة العربية السعودية
تُشكّل أصوات الجمال جزءًا أساسيًا من التراث الصحراوي في المملكة العربية السعودية. تُعبّر هذه الأصوات عن الحالة النفسية والجسدية للجمال، كما تُجسّد علاقةً تاريخيةً عريقةً بين الإنسان والجمال تمتدّ لآلاف السنين عبر مختلف المناطق الصحراوية.
يؤكد المختصون أن أصوات الإبل ليست مجرد صرخات عادية، بل هي نظام تواصل طبيعي يفهمه العديد من الرعاة والملاك. وتتعامل الأبحاث الحديثة مع هذه الأصوات كبيانات ذات قيمة علمية، بينما تعمل الهيئات الثقافية في المملكة على توثيق هذا التراث وحمايته.

تتولى وزارة البيئة والمياه والزراعة قيادة الجهود الرامية إلى صون التقاليد المرتبطة بالإبل وأصواتها، بما يتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030. وتهدف هذه الجهود إلى حماية المعارف التقليدية، وتشجيع البحث العلمي والتربية المنظمة، وعرض هذا التراث للأجيال الجديدة بأسلوب واضح.
في الذاكرة العربية، يرمز الجمال إلى الصبر والقوة والتحمل في ظروف الصحراء القاسية. وقد أدى هذا التواصل الوثيق إلى فهم دقيق لسلوك الجمال وأنماط أصواتها. طوّر العرب العديد من الأسماء والمصطلحات الخاصة بها، والتي سُجّلت في القواميس وحفظها الرعاة. ثم انتقلت هذه التعابير إلى التراث الشفهي والأدب المكتوب عبر القرون.
تتجلى هذه القيمة الثقافية بوضوح في الشعر العربي، حيث ترمز الجمال غالبًا إلى السفر والمشقة والوفاء. وقد وصف الشاعر الكبير حسن بن ثابت الثقة التي كان يوليها لجمله، قائلاً: "أنا من يقود الجمال على سنامها، وأنا من يترك فراشها المُعد. إنها أمينة، تنسى الأشواك حتى أعيدها. وإذا أُزيل سرجها، لا تكون مقيدة".
يشرح خبراء سلوك الحيوان أن لكل صوت يصدره الجمل دلالة واضحة. فقد يدل على الهدوء، أو القلق، أو الجوع، أو الرغبة في جمع القطيع. وتصف الدراسات الزئير، والأنين، والهمهمة بأنها من بين أنواع الأصوات الرئيسية. ويظهر كل منها في مواقف معينة، ويمكن ربطه بالصحة، أو الحالة المزاجية، أو الاحتياجات.
{TABLE_1}تشير دراسة نُشرت في مجلة علم السلوك الحيواني إلى أن أصوات الإبل ترتبط بحالات جسدية ونفسية محددة. وتختلف هذه الأصوات في حدتها ومدتها ونمطها باختلاف العمر والجنس والبيئة المحيطة. وتضيف تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن فهم هذه الإشارات يُسهم في تحسين الرعاية وخطط التغذية وإدارة صحة القطعان.
أوضح خبير تربية الإبل، فيحان العتيبي، أن الإبل تتفاعل بقوة مع الأصوات المألوفة. ووفقًا للعتيبي، تستجيب القطعان عادةً بسرعة عند سماع نبرة مالكها أو راعيها المعروف. ويشير هذا التفاعل إلى قدرة عالية على تمييز الأصوات البشرية، اكتسبتها من خلال التواصل الطويل والمتكرر.
من بين أصوات الإبل الأكثر ارتباطًا بالعاطفة نداء "الشوق". غالبًا ما يُسمع هذا الصوت من ناقةٍ مُنفصلة عن صغارها أو بعيدة عن مرعاها المعتاد. وقد صوّر الشاعر حسان بن ثابت هذا الشعور بالحنين قائلًا: "برق ظهر الجمل يُدوّي، وجوانبه كشوق الجمل على ظهر رفيقه".
قدّم الشاعر طرفة بن العبد، أحد شعراء المعلقات الجاهلين، صورةً مفصلةً لناقة سريعة وثابتة. كتب طرفة: "وأبدد الهموم في أوجها بناقة سريعة ملتوية تأتي وتذهب، ناقة مشيتها كألواح الغزال، حوافرها مستقرة على سطح أملس مستوٍ، كظهر الجمل".
يظهر ارتباط القوة والهجرة ارتباطًا وثيقًا بأصوات الإبل في العديد من النصوص. يُعدّ "الزئير" صوتًا عميقًا يصدره ذكور الإبل، ويرتبط عادةً بالمكانة والهيمنة. أما التعبيرات التقليدية مثل "الرعد" و"الإرزام" فترتبط بمشقة السفر ومغادرة الوطن، مما يعكس عبء الرحلات الطويلة.
أشار أبو الطيب المتنبي إلى هذه الأصوات عند وصفه للمغادرات الصعبة، فقال: "قفوا، أيها الخراب، فنحن نبكي، والإبل تزأر من تحتنا". وفي آية أخرى عن مغادرة مصر، ربط سلامته بدواله، قائلاً: "ما أبغض الإبل، ولكني كنتُ محميًا بها من حزن قلبي ومرض جسدي".
إلى جانب أصوات الجمال الطبيعية، تشمل الثقافة العربية فن "الهدى"، وهو صوت بشري يُستخدم لحثّ الجمال على التقدم. يُوجّه المنشد عبارات إيقاعية إلى الجمال. ويذكر الشعراء تأثيره القوي على سرعة الحيوانات وتركيزها، بمساعدة تقنيات تُسمى "التدوية" أو "الدووة"، أي النداء بصوت عالٍ.
تُشير معاجم اللغة إلى أن الرعاة ما زالوا يستخدمون نداءات مُنظّمة لجذب الجمال أو تسريع وتيرتها. فعندما يُريد سائق الجمال أن يتحرك القطيع بسرعة، يُردد عبارات مثل "حيد حيد"، أو "هي دو هي دو"، أو "دو دو"، أو "دا دا" (مع صوت "و" قصير)، أو "دا دا"، وغالبًا ما تُدمج هذه العبارات مع وزن الرجاز الشعري.
تظهر أصوات الجمال، بل وصورها نفسها، في العديد من الأعمال الأدبية العربية الهامة. وصف امرؤ القيس أصحابه وهم يتوقفون مع دوابهم ليقدموا النصح، قائلاً: "توقف أصحابي عندها على دوابهم، قائلين: لا تهلكي بالحزن، بل اصبري". كما قدمت العائشة صورة لجمل متعب، فكتبت: "إنها تمشي ببطء، كجمل في الوحل".
لا تزال لغة الإبل الصوتية شاهداً حياً على الحياة الصحراوية المشتركة بين الإنسان والحيوان. وتوثّق الدراسات العلمية والمشاريع الثقافية هذه الأصوات، بينما تحافظ الأدبيات على دلالاتها الرمزية. وتساهم هذه الجهود مجتمعةً في نقل هذا الجانب الثري من التراث السعودي والعربي الأوسع إلى الأجيال القادمة بصورة واضحة وميسرة.
With inputs from SPA