أعمدة البازلت في عسير: عجائب جيولوجية تعكس النشاط البركاني القديم
في قلب جبال عسير، تُبرز الطبيعة براعتها الجيولوجية من خلال "الأعمدة البازلتية". تروي هذه التكوينات، التي تقف كآثار عتيقة، الماضي البركاني للمنطقة. إنها ليست مجرد صخور، بل منحوتات هندسية معقدة تشكلت على مدى ملايين السنين. تُعد أعمدة البازلت في عسير من العجائب الجيولوجية النادرة في المملكة العربية السعودية، تجذب الزوار وعشاق علوم الأرض على حد سواء.
تتكون أعمدة البازلت من صخور نارية بركانية، تشكّلت عندما بردت تدفقات الحمم البركانية ببطء على سطح الأرض. تسببت عملية التبريد هذه في انكماش الصخور وتشققها إلى أشكال هندسية، غالبًا ما تكون سداسية أو خماسية. ويشير الدكتور عبد الله محمد العمري من جامعة الملك سعود إلى أن هذه التكوينات منتشرة على نطاق واسع في منطقة عسير، بما في ذلك مواقع مثل محايل عسير ووادي يعواد.

يُشير الدكتور العمري إلى أن هذه التكوينات معروفة منذ القدم. وقد وصفها الهمداني في كتابه "وصف شبه الجزيرة العربية" بأنها جزء من سلسلة جبال "سراة جناب". يغطي هذا الحقل البركاني حوالي 700 كيلومتر مربع، ويضم جبالًا مثل جبل فرعون، الذي يرتفع 3004 أمتار فوق مستوى سطح البحر.
تختلف ألوان هذه الأعمدة باختلاف محتواها المعدني، حيث يغلب عليها اللون الأسود. ومع ذلك، قد تبدو أيضًا رمادية أو بنية مائلة إلى الحمرة بسبب معادن مثل الزبرجد الزيتوني والبيروكسين. هذه التكوينات ليست حكرًا على عسير، بل توجد عالميًا في أماكن مثل بوابة العمالقة في أيرلندا ومنتزه يلوستون الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية.
يوضح طارق أبا الخيل، من هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، أن هذه الأعمدة تتشكل نتيجة الانكماش الحراري عندما تبرد الحمم البركانية وتتصلب. تُحدث هذه العملية شقوقًا عمودية بزوايا قائمة على السطح البارد. ورغم أنها غالبًا ما تكون عمودية، إلا أنها قد تنحني حسب ظروف التبريد.
يُشبّه أبا الخيل هذه الظاهرة بتشقق الطين عند جفافه، ولكنها تحدث في الصخور النارية كالبازلت. يعود تاريخ هذه التكوينات إلى 30 مليون سنة، وتوجد في حقول بركانية غربية مثل حرة البرك. وتتمتع هذه التكوينات بقيمة علمية بالغة لدراسة النشاط البركاني القديم في شبه الجزيرة العربية.
الإمكانات السياحية والرؤى التاريخية
تُعدّ أعمدة البازلت معلمًا جيولوجيًا فريدًا يجذب عشاق الطبيعة وهواة الجيولوجيا. وتُتيح هذه الأعمدة إمكانياتٍ للسياحة البيئية، مع دعواتٍ لإدراجها ضمن مسارات السياحة الجيولوجية في عسير. ويُؤكد الدكتور عبد الله بن علي الموسى على أهميتها كجزءٍ من التراث الجيولوجي، إذ تعكس النشاط البركاني السابق.
تُعزز هذه التكوينات جاذبية عسير كوجهة سياحية طبيعية، وتُقدم في الوقت نفسه رؤىً علمية. حتى أن بعض الأعمدة تحتوي على نقوش قديمة، كتلك الموجودة في قمة قرن القاع، تُشير إلى وجود بشري تاريخي أو حضارات استوطنت هذه المواقع.
تُمثل الأعمدة البازلتية مجالاً غنياً للباحثين المهتمين بالطبيعة والتراث الجيولوجي. ويؤكد وجودها على البنية الجيولوجية النشطة في عسير وإمكانية تحولها إلى مركز جذب سياحي طبيعي.
With inputs from SPA