الذكاء الاصطناعي كمحرك للتنمية المستدامة في مصر والإمارات العربية المتحدة: رؤى من ندوة مجلس الوزراء
تم وضع الذكاء الاصطناعي في صميم التخطيط الاقتصادي والاجتماعي خلال ندوة مشتركة عقدها مركز تريندز للأبحاث والاستشارات ومركز المعلومات ودعم القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة. وناقش متحدثون من الإمارات العربية المتحدة ومصر ومؤسسات إقليمية كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسرّع من وتيرة أجندات التنمية الوطنية عند ربطه باستراتيجيات وحوكمة واضحة.
جمع الحدث، الذي حمل عنوان "بين الابتكار والأثر التنموي: دور الذكاء الاصطناعي في تسريع أجندة التنمية"، وزراء وكبار المسؤولين وأكاديميين وخبراء في مجال التكنولوجيا. واتفق المشاركون على أن الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة استراتيجية لا مجرد رفاهية تقنية، وأكدوا أن الفوائد الحقيقية تظهر عندما تُدمج التكنولوجيا ضمن رؤى طويلة الأجل، ولوائح مرنة، وسياسات محورها الإنسان.

أكد الخبراء في الندوة أن الذكاء الاصطناعي أصبح ركيزة أساسية لإعادة رسم مسارات التنمية ومعالجة التحديات الإقليمية المعقدة. وأوضحوا أن قيمة الذكاء الاصطناعي تتجلى عندما تتعاون الحكومات والشركات الخاصة ومراكز الفكر والبحوث، لتحويل المعرفة إلى قرارات تطبيقية. وأضافوا أن هذه الشراكات قادرة على دعم التنمية المستدامة، وتشجيع التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتعزيز نمو أكثر شمولاً في الشرق الأوسط وخارجه.
كما حذر المتحدثون من ضرورة تقييم الذكاء الاصطناعي من خلال أثره التنموي، بدلاً من اعتباره أداةً مستقلة. وسلطوا الضوء على دوره في زيادة الإنتاجية، وتحسين الخدمات العامة والخاصة، وتوجيه الموارد بكفاءة أكبر، ودعم صنع السياسات القائمة على الأدلة. وربط المشاركون هذه النتائج مباشرةً بالقدرة التنافسية الوطنية، والاستقرار الاجتماعي، والقدرة على التعامل مع التغيرات الاقتصادية السريعة.
أشار الدكتور عبد الله الكعبي، مدير أول الاستشارات التقنية في شركة برايس ووترهاوس كوبرز الشرق الأوسط، إلى أن مصر والإمارات العربية المتحدة تتمتعان بنقاط قوة متكاملة يمكن أن تدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي المشتركة. ووفقًا للكعبي، تشير الدراسات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُضيف نحو 320 مليار دولار إلى اقتصادات الشرق الأوسط بحلول عام 2030، مما يُعزز التعاون الإقليمي في مجال المنصات المشتركة والحلول الرقمية القابلة للتصدير.
أوضح الكعبي أن التوقعات تشير إلى أن الإمارات العربية المتحدة قد تحقق قيمة مضافة متعلقة بالذكاء الاصطناعي تقارب 14% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، بينما قد تحقق مصر حوالي 42.7 مليار دولار، أو 7.7% من ناتجها المحلي الإجمالي، في العام نفسه. وأكد الكعبي أن هذه التقديرات تُظهر أن كلا البلدين يمتلكان فرصة كبيرة لتحويل توظيف الذكاء الاصطناعي إلى مسارات تنموية ملموسة ونتائج اقتصادية قابلة للقياس.
الذكاء الاصطناعي والتنمية والسباق العالمي نحو القيادة
قال الدكتور محمد عبد الله العلي، الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للأبحاث والاستشارات، إن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل نماذج الإنتاج وسلاسل القيمة وأسواق العمل. ووصف العلي الذكاء الاصطناعي بأنه قوة دافعة في إعادة تشكيل الاقتصادات ومسارات التنمية، حيث تتسابق الدول في جميع أنحاء العالم لاقتناء تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوطينها لحماية قدرتها التنافسية وضمان استدامتها على المدى الطويل.
أوضح العلي أن الذكاء الاصطناعي يتيح إمكانيات واسعة لتجاوز القيود الهيكلية في مجالات رئيسية كالزراعة الذكية، والتصنيع المتقدم، والتجارة عبر الحدود، والخدمات الرقمية، والتخطيط الحضري المستدام. كما لفت الانتباه إلى الالتزامات التي يفرضها هذا التحول، بما في ذلك ضرورة بناء القدرات البشرية، وتحديث التشريعات، وضمان الشمول الرقمي، وتجنب ظهور فجوات تنموية جديدة بين المجتمعات وداخلها.
تطور الذكاء الاصطناعي، والتحولات التاريخية، والعوامل المُمكّنة
وصف معالي المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، الذكاء الاصطناعي بأنه نقطة تحول تاريخية، حيث تقود الولايات المتحدة والصين الجهود العالمية في هذا المجال، بينما تحتل الإمارات العربية المتحدة المرتبة الثالثة عالمياً. وحذر الخطيب من أن الدول التي تفشل في ترسيخ مكانتها في هذا التحول قد تواجه تأخيرات خطيرة، إذ أن السيطرة على التقنيات والأدوات الأساسية ستؤثر على من يرسم مستقبل الذكاء الاصطناعي.
حدد الخطيب خمسة عناصر أساسية لتسخير الذكاء الاصطناعي بفعالية، وهي: إمدادات الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، والرقائق المتخصصة، والنماذج المتقدمة، والتطبيقات العملية. وأشاد بتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في الاستثمار الذكي في الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى ريادتها الإقليمية والدولية في التحول الرقمي، وفي استخدام التكنولوجيا لدعم أولويات التنمية المستدامة والخدمات العامة الحديثة.
الذكاء الاصطناعي ومنصات التطوير في مصر والإمارات العربية المتحدة
أوضح الخطيب، في معرض حديثه عن المبادرات الوطنية، أن مصر أطلقت منصة استثمار رقمية تُمكّن المستثمرين من الوصول إلى الخدمات عبر واجهة حكومية موحدة. وأضاف أن أدوات الذكاء الاصطناعي مُدمجة في هذه المنصة لتوسيع نطاق تقديم الخدمات وتخفيف الأعباء الإجرائية على المستخدمين، مما يُحسّن الشفافية والسرعة للمستثمرين المحليين والأجانب.
وأضاف الخطيب أن مصر تُعدّ منصة رقمية موحدة مماثلة تركز على التجارة. وسيربط هذا النظام المزمع المستثمرين ومكاتب التمثيل التجاري والهيئات التنفيذية ذات الصلة عبر بيئة رقمية واحدة. والهدف هو تبسيط الإجراءات التجارية، ودعم الصادرات، ومواءمة عملية صنع القرار الاقتصادي مع البيانات والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتنمية المرنة
أكد معالي الدكتور محمد حمد الكويتي، رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، أن الأمن السيبراني أصبح ركيزة أساسية من ركائز الدولة، لا سيما مع التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأوضح الكويتي أن الأمن السيبراني الفعال بات اليوم أحد أهم شروط التحول الرقمي الآمن والتنمية المستدامة، إذ يمكن للهجمات أن تقوض الثقة والبنية التحتية والاقتصادات.
حدد الكويتي خمسة محاور أساسية تقوم عليها استراتيجية الأمن السيبراني الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وهي: الحوكمة والقوانين والسياسات؛ بناء القدرات البشرية والتقنية؛ الإبداع والابتكار؛ الحماية والدفاع؛ والشراكات. وأكد أن الدول لا تستطيع مواجهة التهديدات التكنولوجية المتطورة إلا من خلال التعاون والتشاور وتبادل الخبرات بشكل منظم بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية.
| ركيزة استراتيجية الأمن السيبراني في دولة الإمارات العربية المتحدة | مجال التركيز |
|---|---|
| الحوكمة والقوانين والسياسات | التنظيم والرقابة |
| القدرات البشرية والتقنية | المهارات والأدوات |
| الإبداع والابتكار | حلول جديدة |
| الحماية والدفاع | الكشف عن التهديدات والاستجابة لها |
| الشراكات | التعاون المحلي والدولي |
الحوكمة والذكاء الاصطناعي وخيارات سياسات التنمية
أكد البروفيسور الدكتور أسامة الجوهري، مساعد رئيس الوزراء ورئيس مركز المعلومات ودعم القرار، أن التحدي الرئيسي الذي يواجه الذكاء الاصطناعي لا يكمن في فقدان الوظائف أو الكفاءة فحسب، بل في سرعة التغيير. وأوضح أن التكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرة المجتمعات وأسواق العمل على التكيف، مما يخلق فجوة حرجة بين الابتكار والقدرة المؤسسية.
وصف الجوهري هذه الفجوة الزمنية بأنها مصدرٌ للاختلال الاقتصادي والاجتماعي. وأشار إلى أن الاستعداد للذكاء الاصطناعي يُعدّ بالتالي مسألة حوكمة وتنمية، وليس مجرد مسألة تقنية بحتة. وأضاف أن الأولوية بالنسبة للحكومات تكمن في بناء مؤسسات قادرة على إدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتنظيم آثارها، وتعديل السياسات بما يتناسب مع تطور الظروف.
الاستثمار والذكاء الاصطناعي والروابط التنموية
وأضاف الجوهري أن سياسات الاستثمار والتجارة تُعدّ أدواتٍ مبكرةً للتعامل مع التغيرات التي يقودها الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن النقاشات حول الذكاء الاصطناعي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحوافز الاستثمار، وطبيعة تدفقات رأس المال التي تسعى الدول إلى جذبها، والشروط المصاحبة لها، بما في ذلك تنمية المهارات ونقل التكنولوجيا. ويساعد هذا التوافق على ضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي القدرة التنافسية والتنمية المستدامة في آنٍ واحد.
| البلد / المنطقة | التأثير المتوقع للذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 | حصة من الناتج المحلي الإجمالي (حيثما ذُكر ذلك) |
|---|---|---|
| الشرق الأوسط (بشكل عام) | 320 مليار دولار | غير محدد |
| الإمارات العربية المتحدة | التأثير النسبي يقارب 14% من الناتج المحلي الإجمالي | 14% |
| مصر | 42.7 مليار دولار | 7.7% |
الذكاء الاصطناعي، وتمويل التنمية، والبنية التحتية الرقمية
صرح سعادة السفير أبو بكر حفني، نائب وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، بأن أحدث البيانات تشير إلى أن دول العالم تخطط لاستثمار نحو 1.3 تريليون دولار في البنية التحتية الرقمية بحلول عام 2030 لضمان السيادة الصناعية. وسيدعم هذا الإنفاق التصنيع المتقدم، ومعالجة البيانات، والتجارة الرقمية عبر الحدود.
أشار حفني إلى أن وزارة الخارجية المصرية تعمل على عدة مسارات لتعزيز الشراكات مع أوروبا والولايات المتحدة. وتهدف هذه الجهود إلى دعم القدرات الأفريقية في مجال الطاقة المتجددة وبناء مراكز البيانات، مما يُمكّن القارة من الاستفادة من سلاسل القيمة القائمة على الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
الابتكار التطبيقي والذكاء الاصطناعي والتنمية في الممارسة العملية
أكد الدكتور أحمد طنطاوي، المشرف على مركز الابتكار التطبيقي بوزارة الاتصالات وتقنية المعلومات المصرية، على ضرورة رفع مستوى الوعي بالدور التنموي للتقنيات الحديثة. وأوضح طنطاوي أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على تطبيقات الدردشة، بل يجب استخدامه لدعم الإنتاج والخدمات العامة والتحديث الاقتصادي الشامل.
أشار طنطاوي إلى أن الوزارة طورت، على مدى السنوات الست الماضية، حلولاً تقنية تُحسّن أداء الحكومة باستخدام التقنيات الحديثة. وأوضح أن هذه الحلول تُبيّن كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي والأدوات ذات الصلة تبسيط الإجراءات، وتحسين جودة الخدمات، وإنشاء مؤسسات عامة أكثر استجابةً لاحتياجات المواطنين.
تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته القطاعية
سلّط المهندس طارق شبكة، رئيس مجلس إدارة شركة خدمات تكنولوجيا المعلومات في الشرق الأوسط (MCS)، الضوء على كيفية توليد تطبيقات الذكاء الاصطناعي لفرص جديدة لتصميم منتجات تكنولوجية تدعم مختلف قطاعات العمل. ولفت شبكة الانتباه بشكل خاص إلى قطاع الرعاية الصحية، حيث تُسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في التشخيص، والحد من الأخطاء الطبية، والكشف المبكر عن الأمراض، ودعم الأبحاث المتعلقة بالعلاجات المتقدمة على مستوى العالم.
تلاقت ملاحظات شبكة مع آراء أوسع نطاقاً في الندوة، مفادها أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي القطاعية، من الطب إلى الخدمات اللوجستية، يمكن أن تعزز استراتيجيات التنمية الوطنية عند دعمها ببنية تحتية متينة، وكوادر مهنية مؤهلة، وأطر تنظيمية واضحة. واتفق المشاركون على أن الجمع بين التعاون الإقليمي والمبادرات الوطنية من شأنه أن يساعد دول الشرق الأوسط على تحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعي من أجل تحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي مستدام.
With inputs from WAM