جماليات فنون الصخور في المملكة العربية السعودية: مراجعة أكاديمية لكتاب ندى الجلال
يقدم كتاب "جماليات فنون الصخور في المملكة العربية السعودية" دراسة مفصلة للرسومات القديمة المنتشرة في أنحاء المملكة. وتتناول الباحثة السعودية الدكتورة ندى بنت عبد الرحمن الجلال كيف تعكس هذه الأعمال الفنية الحياة الاجتماعية والمعتقدات والهوية الثقافية منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى المراحل التاريخية اللاحقة في شبه الجزيرة العربية.
يربط الجلال في هذا العمل الرموز البصرية المنقوشة على الصخور بالتطور الثقافي الأوسع. وتُبين الدراسة كيف تُسهم هذه الصور في تفسير التحولات في البيئة والمجتمع والممارسات الفنية. ويتناول الكتاب فن النقوش الصخرية كمصدر رئيسي لفهم القيم التاريخية وأنماط الحياة في مختلف العصور.

يشرح الكتاب أن المملكة العربية السعودية تضم أدلة على وجود العديد من الحضارات القديمة، بدءًا من حضارة أولدوان. ثم يتتبع الكتاب آثار الحضارة الآشورية، والعصر الموستيري، والعصر الحجري القديم المتأخر، والعصور اللاحقة للعصر الحجري القديم، بما في ذلك العصور البرونزية والحديدية والنحاسية، متبوعًا بآثار قبائل ظهرت قبل أكثر من أربعين قرنًا قبل الميلاد.
تُشير الدراسة، عبر كل حقبة من هذه الحقب، إلى تنوّع في المجالات الفنية كالعمارة والنحت. ويُعدّ فن النقوش الصخرية، إلى جانب هذه الفنون، سجلاً بصرياً يُؤكّد سمات كل حضارة. وتُساعد هذه الصور في توضيح التغييرات التي طرأت على الاستيطان والطقوس والممارسات اليومية على مدى فترات زمنية طويلة في المنطقة.
يذكر الجلال أن فنون النقوش الصخرية في المملكة تظهر في العديد من المواقع الأثرية، بعضها في المناطق الشمالية والبعض الآخر في المناطق الجنوبية. وتتنوع التقنيات المستخدمة بين النقش والحفر والنحت السطحي البسيط. وتُظهر هذه الأعمال الفنية أشكالاً واقعية وأخرى مُنمّقة لحيوانات برية وأليفة، وشخصيات بشرية، ومشاهد من الحياة اليومية.
تشمل الزخارف الأخرى نقوشًا وأشكالًا تشير إلى التغيرات البيئية التي تؤثر على المجتمعات. ووفقًا للباحث، يتميز فن النقوش الصخرية في المملكة بتعبير بصري قوي وتنوع أسلوبي. وترتبط هذه السمات بالبنى الاجتماعية والتقاليد السائدة والأفكار التي استرشد بها الفنانون خلال كل فترة.
المعنى الثقافي لفن النقوش الصخرية في المملكة العربية السعودية
تُقدّم الدراسة فن النقوش الصخرية باعتباره وثيق الصلة بالواقع الاجتماعي، حاملاً رسائل ضمنية تتشكل بفعل البنى المجتمعية. وتعكس المواضيع والمشاهد العادات والمعتقدات المشتركة والسلوك الرمزي. ويشير الجلال إلى أن هذه الرسومات تحمل دلالات جمالية يمكن قراءتها على أنها انعكاس لتلك التقاليد والمناخ الفكري لمبدعيها.
من خلال هذه العدسة، تكتسب صلة الفنان بالبيئة الطبيعية المحيطة به أهمية محورية. تصبح أسطح الصخور فضاءً تُنظَّم فيه المشكلات الفنية، والخيارات التركيبية، والأبعاد الجمالية ضمن إطار واسع. يتيح هذا النهج للباحث استكشاف كيفية تفاعل الشكل والمضمون عبر مختلف المراحل التاريخية.
الفترات التاريخية لفن النقوش الصخرية في المملكة العربية السعودية
لتوضيح الطبقات الزمنية، يُرتب الكتاب فنون الصخور ضمن تسلسل تاريخي. ويربط الأدلة الأثرية بالأمثلة الفنية، مُبينًا كيف تتغير الأساليب والمواضيع عبر العصور. وتشمل المراحل الحضارية الرئيسية المذكورة في الدراسة ما يلي:
{TABLE_1}يُبرز الجدول كيف تركت كل فترة آثارًا بصرية محددة على الصخور. وتظهر التغيرات في الأدوات والتنظيم الاجتماعي والمعتقدات من خلال رموز جديدة وأنواع حيوانية وأنشطة بشرية. ويساعد هذا الهيكل القراء على فهم الاستمرارية والتنوع على المدى الطويل في الممارسات الفنية عبر الأراضي السعودية.
تقنيات حديثة مستوحاة من فنون الصخور في المملكة العربية السعودية
لا يقتصر الكتاب على وصف الأعمال القديمة فحسب، بل يبدع الجلال أيضاً لوحات تصويرية معاصرة مستوحاة من نماذج مختارة من فنون الصخور في المواقع الأثرية السعودية. وتهدف هذه الأعمال إلى مزج الهوية الوطنية، المُمثلة بصور الصخور المحلية، مع هوية معاصرة تتشكل بأساليب الرسم الحديثة.
يوضح الباحث أن التقنيات التصويرية باتت اليوم مفتوحةً أمام تجارب واسعة النطاق بفضل نمو المعرفة. كما أن التطورات في المواد والأدوات توسع آفاق طلاب الفنون وممارسيها. وتناقش الدراسة مناهج مختلفة وتربطها بكيفية إعادة الفنانين تفسير الزخارف التاريخية من أسطح الصخور في سياقات بصرية جديدة.
المواد والأساليب المرتبطة بفن النقوش الصخرية في المملكة العربية السعودية
في هذا السياق، يستعرض الكتاب وسائط الرسم المختلفة، بما في ذلك الألوان الزيتية والأكريليك والتيمبرا. كما يتناول المواد الصناعية مثل راتنج الإيبوكسي، باعتبارها تقنية حديثة. تُستخدم هذه المواد مع أساليب أداء متعددة، مما يتيح للفنانين فرصًا لتطوير مناهج متنوعة في أعمالهم الفنية.
يرى الجلال أن الاعتماد على أسلوب واحد قد يحدّ من المفردات الفنية. في المقابل، يدعم الاستخدام التجريبي لمواد متعددة التجديد المستمر. تشجع هذه العملية على اكتشاف أساليب أداء جديدة تستند إلى أسس فكرية وفنية واضحة تربط الأصالة بالممارسة الحديثة شكلاً وتنفيذاً.
منهج البحث في فنون الصخور في المملكة العربية السعودية
تكمن أهمية الكتاب في تحديد خصائص الرسومات الصخرية وتوضيح المصطلحات العلمية ذات الصلة. ويولي اهتماماً خاصاً لمفاهيم مثل الجماليات والفن البدائي والانتماء وعلم العلامات. ويقتصر الجلال في دراسته على نماذج مختارة من فترات تاريخية وما قبل التاريخ، مستخدماً المنهج الاستقرائي والتحليلي ضمن سياقها التاريخي الموثق.
يُعدّ هذا العمل جزءًا من سلسلة أثرية محكمة، صدرت في الأصل عن الهيئة العامة للسياحة والآثار، والتي تُعرف الآن بهيئة التراث. يمتد الكتاب على 283 صفحة، وينقسم إلى خمسة فصول، تتناول الأبعاد التاريخية، وتحليل المكتشفات، ومراحل الرسم، والاستلهام من الفن البدائي، والخبرة العملية للجلال، مدعومة برسوم توضيحية مباشرة للصور المدروسة.
يقدم هذا الكتاب، من خلال منهجه التاريخي والتحليلي والعملي المتكامل، مرجعاً منظماً لفهم فنون النقوش الصخرية في المملكة العربية السعودية. فهو يوثق التراث الفني للحضارات القديمة، ويشرح دلالاته الاجتماعية والجمالية، ويربط هذا التراث بالتجارب التصويرية المعاصرة، مما يوفر للباحثين والطلاب مصدراً مفصلاً في هذا المجال المتخصص.
With inputs from SPA