فيلم ما بعد… رثاء وشهادة على القوة السحرية للخيال البشري

في السينما العربية، قلما يتم تناول واقع تخيلي لما يمكن أن يكون عليه المستقبل، أينما سيذهب هذا الخيال بصاحبه. هذا ما فعلته المخرجة الفلسطينية مها حاج، التي فاز فيلمها الأخير حمى البحر المتوسط بجائزة أفضل سيناريو بمهرجان كان السينمائي الدولي، في فيلمها الجديد الذي يأتي تحت عنوان ما بعد حيث خلقت مستقبلًا لبطليها يحكمه خيالهما اللامحدود، ويبني قواعده إنكارهما المستمر للفقد الذي أصابهما، في عالم غير مقيد بالزمان أو المكان.

في فيلم "ما بعد"، الذي يشهد عرضه العالمي الأول في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة بمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، تتناول مها تعقيدات التعامل مع الألم، وتأخذه إلى بُعد آخر. تستحضر شخصياتها، سليمان ولبنى، واقعاً موازياً يعيشان فيه مبتعدين عن العالم بأكمله، هرباً من الخسارة التي تلاحقهما في كل مكان.

هناك، في ذلك المكان المنعزل، وداخل تلك الفقاعة التي تقع على الخيط الرفيع بين الواقع والخيال، كل شيء على ما يرام. يعيش الزوجان حياة تبدو من الخارج وكأنها طبيعية تماماً، ويُجرون كل يوم مناقشات جادة حول حياة أطفالهما الخمسة وخياراتهما وانعكاساتها على حياتهما. لكن لا يوجد هروب من الألم المستمر لخسارتهما وتصبح تلك الفقاعة مهددة عندما يأتي إلى عتبة بابهما ضيف غريب ويحضر معه حقيقة لا يمكن الفرار منها.

يتنقل الفيلم بين مشاهد الزوجين أثناء قيامهما بأعمال منزلية بشكل فردي، وبين مشاهدهما سوياً متحدثين عن أطفالهما. لا يوجد مكان لأي موضوع آخر داخل منزلهما سوى حال أطفالهما، الذين لا نراهم ولا نسمع صوتهم، بل يصل لنا كلامهم من خلال سليمان، الذي يقوم بدوره الممثل محمد بكري، ولبنى، التي تقوم بدورها الممثلة عرين العمري، ويعزز هذا الانتقال السلس لكن الحاد في شكله شعور الوحدة والألم الذي يكتنف الشخصيات ويحبسها أكثر داخل خيالها.

دفع الاختيار الجريء من مها حاج، لطريقة تناول قصة عن الخسارة والمعاناة والألم باستخدام قوة الخيال البشري والحد الذي يمكن للوهم أن يدفع الإنسان إليه، إلى طرح أسئلة أعمق وأكبر من مجرد التعامل مع الأمر كأنه حالة ضمن ملايين من حالات الفقد والألم داخل فلسطين. فإلى أي مدى يمكن للخيال أن يذهب فقط ليتجنب الواقع؟ وهل توجد حلول عقلانية لمواساة هؤلاء الذين فقدوا أهاليهم وأبنائهم ومنازلهم في الحروب أم أن العجز البشري أقسى من قوة العاطفة؟

فيلم ما بعد هو لمحة مصغرة من واقع فلسطين الذي يحده الفقد من جميع الاتجاهات، ورثاء وشهادة على قوة الروح الإنسانية التي لا تُقهر. لا يجيب على الأسئلة إنما يكتفي بطرحها، فداخل ذلك العالم تحمل الأسئلة ثقلًا أكبر بكثير من الإجابات، ولعل هذا هو أكثر ما يميز الفيلم ويمنحه فرصة الخلود.

English summary
'After' by Palestinian director Maha Haj, explores coping with loss through imagination. Winning at Cannes, her new film premiered at Locarno, depicting a couple's escape into a parallel reality to face their grief, posing profound questions on resilience.
ذهب عيار ٢٤ / Gram
ذهب عيار ٢٢ / Gram
First Name
Last Name
Email Address
Age
Select Age
  • 18 to 24
  • 25 to 34
  • 35 to 44
  • 45 to 54
  • 55 to 64
  • 65 or over
Gender
Select Gender
  • Male
  • Female
  • Transgender
Location
Explore by Category
Get Instant News Updates
Enable All Notifications
Select to receive notifications from