أغرب تسونامي من صنع بشري... حدث مأساوي في لندن
في قلب لندن، وفي يوم بدا عادياً في عام ١٨١٤، وقع حدث غير مسبوق سيُحفر في التاريخ لغرابته الشديدة. لقد حدثت كارثة، لم تكن ذات أصل طبيعي كما قد يتوقع المرء، بل من مصدر غير متوقع. لم تغمر المياه شوارع لندن، بل غمرتها موجة هائلة من البيرة، مما تسبب في الدمار والفوضى في أعقابها. أدى هذا الحدث الغريب إلى انهيار المباني وفقدان الأرواح حيث تدفق سيل من البيرة عبر المدينة، فغمر المنازل والشوارع على حد سواء.
وقد سجل أحد شهود هذه الكارثة غير العادية، وهو أميركي، تجربته قائلاً: "استدرت حين سمعت الضجيج فوجدت نفسي فجأة محاصراً في تيار سريع أسقطني على الأرض وجعلني عاجزاً عن التنفس. وفي محاولة للبقاء على السطح أثناء الغوص، سمعت هدير مبان منهارة في مكان ما على مسافة بعيدة. ولم يكن هناك شيء مرئي في الهواء، وكانت هناك سحب من الغبار تحجب أشعة الشمس في كل مكان. وغمرت المياه المنازل المحيطة، ومات كثير من الناس، وكان بوسعنا أن نسمع أنين الضحايا في كل مكان". ويجسد هذا السرد الطبيعة السريالية للحدث، حيث أحدث فيضان من البيرة، وليس الماء، دماراً هائلاً في المدينة.
كان مصدر هذه الكارثة هو مصنع هورسشو للبيرة، الذي كان قائمًا عند تقاطع طريق توتنهام كورت وشارع أكسفورد منذ افتتاحه في عام ١٧٦٤. واجه المصنع حادثاً مأساوياً في عام ١٧٩٢ عندما سقط جون ستيفنسون، المالك في ذلك الوقت، في خزان تخمير وغرق. بعد ذلك، استحوذ هنري مو، رجل الأعمال والبرلماني البريطاني، على المصنع. ابتكر مو، صانع البيرة المتمرس، تقنية تخمير جديدة، تجمع بين البيرة الخفيفة والبيرة البنية الداكنة التي كانت شائعة في ذلك الوقت، ولهذا السبب، قدم خزاناً خاصاً وكبيراً ومكلفاً.
وقعت الكارثة عندما انكسرت إحدى الحلقات الحديدية التسع والعشرين التي كانت تحيط بأكبر خزان تخمير للبيرة في المصنع. كان الخزان المصنوع من خشب البلوط يتسع لـ ٦١٠ آلاف لتر من البيرة. وقد وقعت مثل هذه الحوادث من قبل دون أي عواقب كبيرة، مما أدى إلى عدم الاهتمام الفوري عندما أبلغ الميكانيكي عامل المناوبة بالحلقة المكسورة وغادر المبنى. ومع ذلك، كانت النتيجة مختلفة بشكل مدمر هذه المرة. فقد انكسرت الحلقات المتبقية، غير القادرة على تحمل الضغط، على التوالي، مما أدى إلى إطلاق أكثر من مليون ونصف لتر من البيرة في فيضان مدمر.
وفي لحظات، اندفع هذا الطوفان من البيرة عبر جدار من الطوب في مصنع الجعة، تماماً مثل سدادة الزجاجة التي انفجرت من زجاجة ممتلئة. وكانت موجة البيرة الناتجة قوية لدرجة أنها دمرت منزلين أمام المصنع في الحال، قبل أن تتدفق عبر الشوارع، فتدمر واجهات المباني وتخرق الجدران التي لم تكن صلبة بما يكفي لتحمل الهجوم.
تظل كارثة فيضان البيرة التي وقعت عام ١٨١٤ واحدة من أغرب الكوارث في التاريخ، حيث توضح الطبيعة غير المتوقعة للحوادث التي يتسبب فيها الإنسان. وتسلط حادثة مصنع هورسشو للبيرة الضوء على أهمية السلامة والصيانة في العمليات الصناعية، وهو درس لا يزال يتردد صداه حتى يومنا هذا. وعلى الرغم من الطبيعة الغريبة للكارثة، فإن الخسارة والدمار اللذين أحدثتهما بمثابة تذكير قاتم بالعواقب الكارثية المحتملة المترتبة على تجاهل تدابير السلامة الصناعية.
